محمد نجيب - كلمة في حق هذا الرجل

كلمة في حق الرئيس محمد نجيب.

    من هو محمد نجيب؟ إنه الطفل الذي كانت لعبته المفضلة هي تمثيل المعارك الحربية، إنه الشاب الذي أقنع اللجنة الطبية في المدرسة الحربية أن قامته سوف تستطيل خلال سنين قليلة حتى يقبلونه. محمد نجيب هو واحد من أبرز الشخصيات في التاريخ المصري الحديث، ارتبط اسمه بحركة 23 يوليو 1952، وأصبح أول رئيس لجمهورية مصر بعد إلغاء النظام الملكي. وُلد نجيب في الخرطوم في السودان، الذي كان آنذاك خاضعًا لنظام الحكم الثنائي المصري البريطاني. كان والده ضابطًا، لذلك ارتبطت طفولته بالحياة العسكرية. التحق محمد نجيب بالكلية الحربية في مصر، وتخرج فيها، ثم بدأ مسيرته في الجيش المصري. ولم يقتصر اهتمامه على الدراسة العسكرية، فقد حصل نجيب على ليسانس الحقوق، وكان أول ضابط في الجيش المصري يحصل عليها، كما حصل على دبلومي الدراسات العليا في الاقتصاد السياسي وفي القانون الخاص. تدرج محمد نجيب في الرتب والمناصب العسكرية، وشارك في عدد من المهام المرتبطة بالسودان وسيناء، من بينها المشاركة عام 1936 في اللجنة التي أشرفت على تنظيم الجيش المصري في الخرطوم في سياق التطورات التي أعقبت معاهدة 1936، التي أنهت وضع الاحتلال البريطاني الرسمي لمصر، مع استمرار وجود قوات بريطانية لحماية قناة السويس.

محمد نجيب - كلمة في حق هذا الرجل
محمد نجيب

    شارك محمد نجيب في حرب فلسطين عام 1948، وأصيب خلالها ثلاث مرات، وحصل على نجمة فؤاد العسكرية الأولى وعلى رتبة البكوية تقديرًا لخدمته. وكانت الحرب محطة مهمة في تاريخ الجيش المصري؛ إذ كشفت عن مشكلات تتعلق بالتسليح والتنظيم والإدارة، كما ارتبطت بعد انتهائها بأزمة سياسية واسعة داخل مصر، وكانت الهزيمة في حرب 1948 أحد أهم أسباب قيام حركة يوليو 1952. شارك عدد من الضباط الذين أصبحوا لاحقًا من أعضاء تنظيم الضباط الأحرار في الحرب، ومن بينهم جمال عبد الناصر. بعد الحرب عُين نجيب مديرًا لمدرسة الضباط عام 1948، وهناك أصبح أكثر قربًا من عدد من الضباط الشباب، ما مهد إلى انضمامه إلى تنظيم الضباط الأحرار، لما عبر عن رفضه للفساد المستشري في البلاد، والذي أدى في المقام الأول إلى الهزيمة في حرب فلسطين.

    كانت السنوات السابقة للثورة مليئة بالأزمات السياسية. ففي أكتوبر 1951 ألغت حكومة الوفد معاهدة 1936 من جانب واحد، وتصاعدت المواجهات بين القوات البريطانية والشرطة المصرية في منطقة قناة السويس. وفي يناير 1952 وقعت معركة الإسماعيلية، ثم وقع حريق القاهرة، ما زاد من اضطراب الأوضاع السياسية. ثم في يناير 1952 انتُخب محمد نجيب رئيسًا لنادي الضباط، لكن الملك فاروق تدخل وحل مجلس إدارة النادي، وهو ما زاد التوتر بين الملك وبعض ضباط الجيش. وفي الوقت نفسه كان تنظيم الضباط الأحرار يعمل بصورة سرية بقيادة مجموعة من الضباط، وكان جمال عبد الناصر من أبرز عناصره. وقد احتاج التنظيم إلى شخصية عسكرية -حسبما ذكر محمد نجيب في سيرته الذاتية- ذات رتبة ومكانة لها وزنها، فبرز محمد نجيب بوصفه قائدًا عسكريًا معروفًا، وأصبح وجوده إلى جانب الضباط الأحرار عنصرًا مهمًا في القيادة المعلنة للحركة.

    في ليلة 23 يوليو 1952 تحرك تنظيم الضباط الأحرار للسيطرة على المواقع العسكرية الأساسية، ونفذ بذلك الانقلاب الذي انتهى بإسقاط النظام الملكي. كتب نجيب في سيرته الذاتية إن ما فعله الضباط الأحرار من الناحية السياسية انقلاب، ولكنهم سموه فيما بينهم حركة، ولكن لما وجد الضباط الأحرار ترحيبًا شعبيًا بحركتهم، تحول المسمى إلى ثورة. في صباح اليوم نفسه أُذيع البيان الأول للثورة بصوت أنور السادات، رغم أنه أذيع باسم محمد نجيب، وأعلن تحرك القيادة بهدف ما وصفه البيان بمهمة تطهير الجيش والقضاء على أسباب الفساد. لم تُلغَ الملكية فورًا؛ فقد تنازل الملك فاروق عن العرش في 26 يوليو 1952 لصالح ابنه أحمد فؤاد الثاني، الذي كان طفلًا، وشُكل مجلس وصاية لإدارة شؤون العرش. وفي هذه المرحلة اختير محمد نجيب رئيسًا لمجلس قيادة الثورة، وأصبح أحد أهم المسؤولين في الدولة الجديدة. وفي 8 سبتمبر 1952 شكل نجيب أول وزارة له بعد الثورة، وتولى رئاسة مجلس الوزراء ووزارتي الحربية والبحرية، مع احتفاظه بالقيادة العامة للقوات المسلحة. وواجهت الحكومة الجديدة قضايا سياسية واقتصادية واجتماعية، بينما أعلنت الثورة مبادئ من بينها القضاء على الإقطاع والاستعمار وتحقيق العدالة الاجتماعية وبناء حياة سياسية جديدة. وقد كان الإصلاح الزراعي من أبرز إجراءات الثورة. ففي سبتمبر 1952 صدر قانون الإصلاح الزراعي الذي وضع حدًا أقصى لملكية الأراضي الزراعية، واستهدف تقليل نفوذ كبار ملاك الأراضي وإعادة توزيع جزء من الأرض على صغار الفلاحين. ووفقًا لدراسة مكتبة الكونغرس، حدد القانون في صورته الأولى الملكية بحد أقصى يبلغ 200 فدان، مع ترتيبات تسمح بملكية إضافية للزوجة والأبناء، وصودرت الأراضي التي تجاوزت الحدود القانونية وعُوض أصحابها، ثم أعيد توزيعها وفق قواعد الدولة. استمر النظام الملكي بصورة مؤقتة بعد الثورة، ثم أُعلنت الجمهورية في 18 يونيو 1953، وأصبح محمد نجيب أول رئيس لجمهورية مصر. بينما ظل مجلس قيادة الثورة المؤسسة السياسية الأساسية التي أدارت البلاد خلال المرحلة الانتقالية.

    كانت قضية السودان من أهم الملفات المرتبطة باسم محمد نجيب، بسبب مولده وعمله السابق هناك أثناء سنوات خدمته وعلاقاته بعدد من الشخصيات السودانية، ولكن غيره من الضباط لم يكونوا مهتمين بالسودان بالقدر الكافي. بعد الثورة اتجهت القيادة المصرية إلى التعامل مع القضية على أساس منح السودانيين حق تقرير المصير بعد فترة انتقالية للحكم الذاتي. وفي فبراير 1953 تم التوصل إلى اتفاقية الحكم الذاتي وتقرير المصير للسودان. ونصت على فترة انتقالية مدتها ثلاث سنوات، تُنشأ خلالها مؤسسات سودانية ويُعد دستور وتُجرى انتخابات، ثم يقرر السودانيون مستقبل بلادهم على أساس حقهم في الاختيار بين الاستقلال أو الارتباط بمصر بأي صورة. ووقع محمد نجيب عن الحكومة المصرية على الاتفاقية. كما شارك نجيب في محاولات توحيد القوى السياسية السودانية المؤيدة للاتحاد مع مصر، وانتهت هذه الجهود إلى تكوين الحزب الوطني الاتحادي برئاسة إسماعيل الأزهري ومحمد نور الدين نائبًا للرئيس. وكانت هذه الاتفاقية خطوة رئيسية في المسار الذي انتهى لاحقًا باستقلال السودان عام 1956.

    ولكن لم تكن السلطة داخل النظام الجديد مستقرة بعد الثورة. كان محمد نجيب رئيسًا لمجلس قيادة الثورة ورئيسًا للجمهورية، بينما كان جمال عبد الناصر من أبرز الشخصيات التنظيمية والسياسية داخل المجلس. ومع مرور الوقت ظهرت خلافات حول مستقبل الحكم وطبيعة المرحلة الانتقالية، خصوصًا حول سرعة عودة الحياة الدستورية والبرلمانية، وحدود سلطات رئيس الجمهورية مقارنة بسلطات مجلس قيادة الثورة. تشير دراسة مكتبة الكونغرس إلى أن الفترة بين 1952 و1954 شهدت صراعًا على السيطرة، وأن جمال عبد الناصر أصبح القوة السياسية الأساسية داخل مجلس قيادة الثورة في نهاية هذه المرحلة. ارتبط الخلاف بين نجيب وعبد الناصر بشكل النظام السياسي الذي ستتبعه مصر ومستقبل الأحزاب والبرلمان والدستور، إذ أراد نجيب أن يتنحى الجيش جانبًا ويتشكل برلمان ومن ثم تجرى انتخابات رئاسية، ولكن يبدو أن الضباط الأحرار لم يكونوا على استعداد للتخلي عن السلطة والعودة إلى الثكنات. بلغ الخلاف ذروته في بداية عام 1954، حتى إنه في فبراير قدم محمد نجيب استقالته من رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس قيادة الثورة، وارتبطت الأزمة بمطالب تتعلق بعودة الحياة الدستورية، وبصلاحيات المجلس ورئيس الجمهورية. ولكن شهدت البلاد تحركات ومظاهرات تطالب بعودة نجيب وإعادة الحياة البرلمانية والدستورية، فعاد نجيب إلى الحكم، لكن موازين القوى داخل قيادة الثورة كانت قد تغيرت. في 17 أبريل 1954 أصبح جمال عبد الناصر رئيسًا لمجلس الوزراء، بينما اقتصر دور محمد نجيب على رئاسة الجمهورية. وأظهر ذلك تراجع الدور السياسي لنجيب مقارنة بالفترة الأولى من عمر حكم قيادة الثورة للبلاد، في مقابل زيادة تأثير عبد الناصر في إدارة الحكومة ومجلس قيادة الثورة.

    ثم في 26 أكتوبر 1954 وقعت محاولة اغتيال جمال عبد الناصر أثناء إلقائه خطابًا في ميدان المنشية بالإسكندرية. أطلقت أعيرة نارية باتجاهه، وألقي القبض على عدد من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين واتهموا بالمشاركة في محاولة الاغتيال. وقد ظهرت لاحقًا تفسيرات مختلفة للواقعة؛ فبينما تبنت الرواية الرسمية آنذاك مسؤولية عناصر من جماعة الإخوان المسلمين، شككت روايات أخرى في ذلك واعتبرت الحادث مدبرًا، ولا تزال هذه المسألة محل نقاش بين الباحثين. وأعقب الحادث اتخاذ إجراءات واسعة ضد الجماعة وتصاعد الصراع السياسي داخل قيادة الثورة. ومن المهم التمييز بين الواقعة الأساسية، وهي إطلاق النار على عبد الناصر والاعتقالات والمحاكمات التي تلتها، وبين التفسيرات المختلفة التي ظهرت لاحقًا حول خلفيات الحادث والمسؤوليات السياسية المرتبطة به. كان ذلك قبل أن يتم تسريب مكالمة بين محمد نجيب ومصطفى النحاس، أتهم نجيب على إثرها بالتآمر ضد مصلحة البلاد، وربما كان الهدف من محاولة الاغتيال وتسريب المكالمة تدمير شعبية نجيب، تمهيدًا للتخلص منه، بعد أن توغل الضباط ليحتلوا معظم المناصب السياسية المهمة في البلاد، وحدث ما وصفه نجيب بأن صبغ الضباط الحياة السياسية في مصر باللون الكاكي. وقد كان، ففي 14 نوفمبر 1954 اتخذ مجلس قيادة الثورة قرارًا بإعفاء محمد نجيب من جميع مناصبه، وأصبح جمال عبد الناصر رئيسًا لمجلس قيادة الثورة، بينما تولى المجلس إدارة سلطات الدولة. ولم يصبح عبد الناصر رئيسًا للجمهورية في اليوم نفسه؛ فقد ظل منصب رئاسة الجمهورية شاغرًا حتى عام 1956، بينما أدار مجلس قيادة الثورة الحكم. وفي عام 1956 أصبح عبد الناصر رئيسًا للجمهورية بشكل رسمي.

    بعد إزاحته عن السلطة ابتعد محمد نجيب عن الحياة السياسية، ووضعته القيادة الجديدة تحت الإقامة الجبرية لسنوات طويلة، في فيلا زينب الوكيل بالمرج. شُطب اسم محمد نجيب من كتب التاريخ، واستمرت تلك الإقامة منذ 1954 وحتى عام 1971 في عهد الرئيس أنور السادات، حيث رُفعت عنه الإقامة الجبرية، ولكنه ظل مقيمًا في فيلا المرج حتى عام 1983 في عهد الرئيس مبارك. خلال هذه الفترة كتب نجيب عددًا من الكتب التي تناول فيها حياته وتجربته السياسية، وهي «رسالة عن السودان»، و«مصير مصر» الذي كتبه باللغة الإنجليزية، و«كلمتي للتاريخ». ولكنه لم يكتب سيرة ذاتية كاملة سوى قبل وفاته بعام واحد فقط، وكانت السيرة كتابًا بعنوان «كنت رئيسًا لمصر». وتمثل هذه الكتب -وكتاب كنت رئيسًا لمصر تحديدًا- مصدرًا مهمًا لفهم رؤيته للأحداث، خصوصًا الخلافات داخل مجلس قيادة الثورة. توفي محمد نجيب في القاهرة في 28 أغسطس 1984، بعد حياة شارك خلالها في حرب فلسطين وثورة يوليو وتأسيس النظام الجمهوري، قبل أن يعيش سنوات طويلة بعيدًا في عزلة جبرية، بعيدًا كل البعد عن الحياة السياسية، متحملًا مضايقات الحرس الخانقة له ولأسرته، والإشاعات التي أطلقت عنه، حتى إنه سمع خبر وفاته بنفسه في الراديو وتلقى برقيات التعازي، بينما التف الشعب حول عبد الناصر، وقد أصبح هو الزعيم والقائد.

تم.

أهلاً بك، كيف يمكننا مساعدتك؟
اكتب رسالتك...