مصر الحديثة - تاريخ مصر ببساطة

مصر الحديثة، تاريخ مصر ببساطة.

    يبدأ تاريخ مصر الحديثة، وفق التقسيم التاريخي الشائع، مع تولي محمد علي باشا حكم مصر سنة 1805، بعد فترة شهدت اضطرابًا سياسيًا نتيجة الصراع بين الدولة العثمانية -التي كانت مصر ولاية تابعة لها، منذ دخل سليم الأول مصر، وانتصر على المماليك في معركة مرج دابق سنة 1516 ثم الريدانية في القاهرة سنة 1517- وبين المماليك الذين كانوا لا يزالون يمثلون مصدر قوة ونفوذ رغم وجود العثمانيين، ثم أخذت مصر خلال القرن التاسع عشر تتحول إلى دولة جديدة على يد محمد علي.

مصر الحديثة - تاريخ مصر ببساطة

    كان محمد علي من أصول ألبانية، ولد في مدينة قولة سنة 1769، ووصل إلى مصر ضمن القوات العثمانية التي شاركت في إخراج الفرنسيين منها سنة 1801. وبعد انسحاب القوات الفرنسية، دخلت مصر في مرحلة من الصراع بين القوى المختلفة، وتمكن محمد علي تدريجيًا من الحصول على تأييد قطاعات من السكان، إلى أن تولى ولاية مصر سنة 1805، بعد تراجع عمر مكرم، الذي كان من أبرز زعماء المصريين ونقيبًا للأشراف، كما أن مكرم قاوم الحملة الفرنسية، وساهم في عزل الوالي العثماني خورشيد باشا، ولكن آثر أن يدعم تولي محمد علي ولاية مصر، قبل أن يتخلص منه الأخير وينفيه إلى دمياط سنة 1809. وتلك كانت سياسة محمد علي خلال السنوات التالية، إذ عمل على التخلص من القوى التي كان يمكن أن تنافسه على الحكم، وكان من أبرز الأحداث في هذا السياق مذبحة القلعة سنة 1811 التي قضى فيها على عدد كبير من زعماء المماليك. 

    اعتمد مشروع محمد علي على بناء جيش حديث يكون تابعًا للدولة بدلًا من الاعتماد على القوى العسكرية التقليدية. كما أعاد تنظيم الإدارة، وعمل على زيادة موارد الدولة من الزراعة، وخصوصًا زراعة القطن، وأدخل محاصيل وأساليب زراعية جديدة. واهتم بالصناعة، فأُنشئت مصانع للغزل والنسيج والسكر والأسلحة وغيرها من الصناعات التي كان الهدف منها دعم الجيش والاقتصاد وتوفير احتياجات الدولة. كما أرسل محمد علي بعثات تعليمية إلى أوروبا، وبدأت مؤسسات تعليمية جديدة في الظهور في مصر، وكان من أبرز الذين ارتبطوا بمشروع التحديث في تلك الفترة رفاعة الطهطاوي، الذي عاد من بعثته إلى فرنسا وشارك في حركة الترجمة والتعليم.

    امتد نفوذ أسرة محمد علي في مصر بعد وفاته، وقد تولى الحكم بعد محمد علي كل من إبراهيم باشا وعباس الأول وسعيد باشا ثم إسماعيل باشا، قبل أن يتحول لقب الحاكم إلى خديوٍ في عهد إسماعيل، الذي حصل على لقب الخديوي رسميًا من السلطان العثماني سنة 1867. 

    شهد عهد إسماعيل توسعًا في المشروعات العمرانية والتعليمية والبنية الأساسية، كما شهد افتتاح قناة السويس سنة 1869، وهي واحدة من أهم المشروعات التي غيرت موقع مصر الاقتصادي والاستراتيجي، بسبب ربط البحر المتوسط بالبحر الأحمر. ولكن التوسع الكبير في الإنفاق والمشروعات، الذي كان يهدف الخديوي إسماعيل من ورائه إلى تحديث مصر وجعلها أقرب إلى قطعة من أوروبا، ترتب عليه تضخم الديون الأجنبية، وأصبحت بريطانيا وفرنسا أكثر تأثيرًا في الشؤون المالية المصرية، لدرجة خضوع المالية المصرية لرقابة مالية ثنائية بريطانية فرنسية منذ سنة 1876. ومع تزايد النفوذ الأوروبي ظهرت حركة وطنية معارضة، وكان من أبرزها الثورة العرابية التي قادها أحمد عرابي في الفترة من 1879 إلى 1882. طالبت الثورة بمطالب تتعلق بإصلاح الجيش والإدارة والتمثيل السياسي، وبمواجهة النفوذ الأوروبي داخل الدولة. ولكن ترتب على تلك الثورة أن تدخلت بريطانيا عسكريًا في مصر سنة 1882، وأصبح لها نفوذ مباشر على البلاد، رغم استمرار تبعية مصر الرسمية للدولة العثمانية في ذلك الوقت. 

    وأصبحت بريطانيا صاحبة التأثير الأكبر في السياسة والاقتصاد المصريين. وتصف مصادر تاريخية هذه المرحلة بأنها بداية السيطرة البريطانية الفعلية على مصر، بينما استمر وجود الأسرة الخديوية في الحكم. خلال فترة الاحتلال البريطاني استمرت محاولات الحركة الوطنية المصرية للمطالبة بالاستقلال. وظهر عدد من الشخصيات السياسية والفكرية التي ارتبطت بالحركة الوطنية، ومن بينها مصطفى كامل ومحمد فريد. كما تطورت الصحافة المصرية وأصبحت إحدى الأدوات الرئيسية في النقاش السياسي والثقافي. وفي الوقت نفسه استمر تطوير بعض مؤسسات الدولة والتعليم والقضاء والمواصلات، ولكن في ظل الوجود البريطاني على الأراضي المصرية.

    مع اندلاع الحرب العالمية الأولى سنة 1914 أعلنت بريطانيا الحماية على مصر، وأنهت بذلك بصورة رسمية العلاقة السياسية التي كانت تربط مصر بالدولة العثمانية. وتولى حسين كامل لقب سلطان مصر، ثم خلفه فؤاد الأول سنة 1917. بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى ظهرت مطالب مصرية جديدة بالاستقلال. وكان سعد زغلول من أبرز الشخصيات التي قادت الحركة السياسية في هذه المرحلة. وفي سنة 1919 اندلعت احتجاجات واسعة في أنحاء مصر بعد نفي سعد زغلول وعدد من أعضاء الوفد المصري. وشارك في الحركة طلاب وعمال وفلاحون وموظفون ونساء، وتحولت الاحتجاجات إلى واحدة من أكبر الحركات الوطنية في تاريخ مصر الحديث. أدت أحداث 1919 إلى زيادة الضغط على بريطانيا، وفي 28 فبراير 1922 أعلنت بريطانيا إنهاء الحماية والاعتراف باستقلال مصر كمملكة، مع احتفاظها بأربعة تحفظات أساسية تتعلق بالدفاع والاتصالات والمصالح الأجنبية والسودان. وكان هذا الإعلان بريطانيًا من جانب واحد، بمعنى أنه لم يكن نتيجة اتفاق مصري بريطاني نهائي على جميع مسائل الاستقلال. واعترفت الولايات المتحدة باستقلال مصر في أبريل 1922. ثم في سنة 1922 أصبح فؤاد الأول ملكًا على مصر، وبدأت مرحلة المملكة المصرية. وفي سنة 1923 صدر دستور المملكة، ونشأ نظام سياسي قائم على الملك والوزارة والبرلمان. 

    أصبح حزب الوفد القوة السياسية الرئيسية في الحياة السياسية المصرية، بقيادة سعد زغلول ثم مصطفى النحاس. شهدت الفترة من 1923 إلى 1952 حياة برلمانية نشطة، لكنها اتسمت كذلك بالصراع المستمر بين القصر والوفد والقوى السياسية الأخرى، إضافة إلى استمرار النفوذ البريطاني. وتشير وثائق مجلس النواب المصري إلى أن الحياة السياسية في هذه المرحلة شهدت عددًا كبيرًا من الحكومات، وأن البرلمان تعرض للحل أكثر من مرة. وفي هذه الفترة ظهرت أيضًا مؤسسات اقتصادية وثقافية مهمة. وكان طلعت حرب من أبرز الشخصيات الاقتصادية في مصر، إذ أسس بنك مصر سنة 1920، وارتبط اسمه بمحاولات بناء اقتصاد مصري يعتمد على رأس المال الوطني. كما توسعت الصحافة والتعليم والفنون، وبدأت السينما المصرية في الظهور والتطور، وظهرت شركات ومؤسسات ساهمت في تشكيل الحياة الثقافية والاقتصادية في القرن العشرين. ثم تولى فاروق الأول الحكم سنة 1936 بعد وفاة والده فؤاد الأول. وفي العام نفسه وقعت معاهدة بين مصر وبريطانيا، المعروفة بمعاهدة 1936، أعادت تنظيم العلاقة بين البلدين، ومهدت لانضمام مصر إلى عصبة الأمم، مع استمرار الوجود العسكري البريطاني في منطقة قناة السويس. وفي أثناء الحرب العالمية الثانية أصبحت مصر ذات أهمية استراتيجية كبيرة للقوات البريطانية بسبب موقعها وقناة السويس. ولكن انتهت الحرب العالمية الثانية دون إنهاء النفوذ البريطاني بصورة كاملة، واستمر الصراع السياسي بين القصر والوفد وبقية القوى السياسية.

    بعد إعلان قيام دولة إسرائيل في مايو 1948، اندلعت الحرب بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، من بينها مصر. شاركت مصر بقوات عسكرية في فلسطين، ودارت معارك في مناطق مختلفة، خصوصًا في جنوب فلسطين وقطاع غزة. انتهت الحرب خلال عام 1949 بعد توقيع اتفاقيات هدنة بين إسرائيل والدول العربية المشاركة، وبقي قطاع غزة تحت الإدارة المصرية، بينما خضعت الضفة الغربية للسيطرة الأردنية. وأدت الحرب إلى نزوح أعداد كبيرة من الفلسطينيين من مدنهم وقراهم، فيما أصبحت القضية الفلسطينية واحدة من القضايا الرئيسية في السياسة المصرية والعربية خلال العقود التالية. وكانت نتائج حرب فلسطين من العوامل التي ساهمت في زيادة السخط داخل الجيش والمجتمع المصريين، إلى جانب عوامل سياسية واقتصادية أخرى، ومهدت مع غيرها لقيام حركة 23 يوليو. تحرك تنظيم الضباط الأحرار بقيادة مجموعة من الضباط، وكان محمد نجيب أبرز واجهة عسكرية وسياسية للحركة. استهدفت الحركة إنهاء حكم الملك فاروق، وبالفعل في سنة 1953 أُلغيت الملكية وأُعلنت الجمهورية، وأصبح محمد نجيب أول رئيس للجمهورية. شهدت السنوات الأولى للجمهورية تغييرات واسعة في نظام الدولة. أُلغيت الأحزاب السياسية، وأُعيد تنظيم مؤسسات الحكم، وبدأت الدولة في تنفيذ مجموعة من السياسات الاقتصادية والاجتماعية. وفي سنة 1954 أعفي محمد نجيب من رئاسة الجمهورية بواسطة مجلس قيادة الثورة، ووُضع تحت الإقامة الجبرية، بينما أصبح جمال عبد الناصر رئيسًا لمجلس قيادة الثورة ورئيسًا للوزراء، ثم تولى رئاسة الجمهورية رسميًا سنة 1956. 

    ارتبط عهد عبد الناصر بمجموعة من التحولات الكبرى في مصر. ومن أهمها قانون الإصلاح الزراعي الذي أعاد تنظيم ملكية الأراضي الزراعية وحدد مساحة الملكية الزراعية، وأدى إلى انتقال جزء من الأراضي من كبار الملاك إلى صغار الفلاحين. كما توسع دور الدولة في الاقتصاد، وأُنشئت مؤسسات وشركات حكومية، واتجهت الدولة نحو التصنيع. ومن أهم مشروعات تلك الفترة مشروع السد العالي في أسوان. بدأ تنفيذ المشروع في الستينيات، وكان الهدف منه تنظيم مياه النيل وتوفير المياه للزراعة وتوليد الكهرباء والحد من آثار الفيضانات والجفاف. وأصبح السد العالي أحد أكبر مشروعات البنية الأساسية في تاريخ مصر الحديث. وفي سنة 1956 اتخذ عبد الناصر قرار تأميم شركة قناة السويس، أي نقل ملكية الشركة وأصولها إلى الدولة المصرية، مع تعويض المساهمين، بحيث تتولى جهة مصرية إدارة مرفق القناة. وجاء القرار بعد أزمة تمويل مشروع السد العالي ورفض الولايات المتحدة وبريطانيا تمويله بالشروط التي طلبتها مصر. أدى التأميم إلى أزمة دولية، ترتب عليها أن شنت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل هجومًا عسكريًا على مصر فيما عُرف بالعدوان الثلاثي سنة 1956. وانتهى الصراع بانسحاب القوات المهاجمة، واستمرت قناة السويس تحت الإدارة المصرية. 

    وفي سنة 1958 اتحدت مصر وسوريا في دولة واحدة حملت اسم الجمهورية العربية المتحدة، وكان جمال عبد الناصر رئيسًا لها. استمر الاتحاد حتى سنة 1961 حين انفصلت سوريا، بينما استمرت مصر في استخدام اسم الجمهورية العربية المتحدة رسميًا حتى سنة 1971. شهدت الستينيات توسعًا في التعليم والصحة والخدمات العامة، وزاد عدد المؤسسات الحكومية والجامعات والمصانع. وفي الوقت نفسه أصبحت الدولة أكثر اعتمادًا على القطاع العام، وتزايدت سيطرة الحكومة على النشاط الاقتصادي والسياسي.

    ولكن في يونيو 1967 اندلعت حرب بين إسرائيل ومصر وسوريا والأردن، بعد تصاعد التوتر العسكري والسياسي في المنطقة. بدأت الحرب في 5 يونيو بهجوم جوي إسرائيلي على المطارات والقوات المصرية، ثم امتدت المواجهات إلى الجبهتين الأردنية والسورية. وخلال ستة أيام تمكنت إسرائيل من السيطرة على شبه جزيرة سيناء وقطاع غزة من مصر، والضفة الغربية والقدس الشرقية من الأردن، وهضبة الجولان من سوريا. وانتهت الحرب بوقف إطلاق النار في 10 يونيو 1967، وأصبحت الأراضي التي احتلتها إسرائيل خلال الحرب محورًا رئيسيًا للصراع العربي الإسرائيلي والمفاوضات اللاحقة. أعقب ذلك دخول مصر في مرحلة عسكرية عُرفت بحرب الاستنزاف، واستمرت المواجهات على جبهة قناة السويس حتى وقف إطلاق النار سنة 1970. ثم توفي جمال عبد الناصر في سبتمبر من العام نفسه، وتولى محمد أنور السادات رئاسة الجمهورية. 

    بدأ السادات تدريجيًا في تغيير عدد من السياسات التي اتبعت خلال عهد عبد الناصر، سواء في المجال الاقتصادي أو السياسي أو الخارجي. في المجال الاقتصادي بدأت سياسة الانفتاح الاقتصادي، وهي سياسة هدفت إلى تقليل سيطرة الدولة على الاقتصاد وفتح المجال أمام القطاع الخاص والاستثمارات العربية والأجنبية، فبعد أن كان الاقتصاد في عهد عبد الناصر يعتمد بدرجة كبيرة على الشركات والمؤسسات الحكومية، سمح السادات بزيادة دور الأفراد والشركات الخاصة ورؤوس الأموال الأجنبية في النشاط الاقتصادي، وصدرت قوانين لتشجيع الاستثمار. وفي المجال السياسي ظهرت أحزاب وتنظيمات سياسية جديدة بصورة تدريجية بعد سنوات من نظام الحزب الواحد. وعلى المستوى الخارجي بدأت مصر تتحرك نحو علاقة مختلفة مع الولايات المتحدة والغرب، بالتزامن مع استمرار الصراع مع إسرائيل. وفي أكتوبر 1973 شنت مصر وسوريا هجومًا عسكريًا على القوات الإسرائيلية في سيناء والجولان. وتمكنت القوات المصرية من عبور قناة السويس وتدمير أجزاء من خط بارليف وإقامة رؤوس جسور شرق القناة. استمرت الحرب عدة أسابيع، وانتهت بوقف إطلاق النار وبدأت بعدها مفاوضات سياسية وعسكرية. 

    في نوفمبر 1977 قام السادات بزيارة إلى القدس، ثم بدأت مفاوضات مصرية إسرائيلية برعاية أمريكية. وفي سبتمبر 1978 تم توقيع اتفاقيات كامب ديفيد، ثم وُقعت معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية في مارس 1979. وأدت المعاهدة إلى انسحاب إسرائيل من سيناء تدريجيًا حتى استعادة مصر السيطرة عليها سنة 1982. وفي أكتوبر 1981 اغتيل أنور السادات أثناء عرض عسكري على يد عضو في أحد التنظيمات الإسلامية المتطرفة، في أعقاب فترة شهدت توترًا سياسيًا واجتماعيًا وقيام السلطات بحملة اعتقالات واسعة في سبتمبر 1981 شملت إسلاميين ومعارضين من اتجاهات سياسية مختلفة. تولى نائب السادات حسني مبارك رئاسة الجمهورية. 

    استمر مبارك في الحكم حتى فبراير 2011، أي ما يقرب من ثلاثين عامًا. شهد عهد مبارك استمرار سياسة السلام مع إسرائيل، وتقاربًا استراتيجيًا مع الولايات المتحدة، كما شهد تنفيذ برامج للإصلاح الاقتصادي منذ بداية التسعينيات هدفت إلى تقليص دور القطاع العام وتوسيع دور القطاع الخاص. وفي الوقت نفسه استمرت الدولة في إدارة قطاعات واسعة من الاقتصاد. وعلى المستوى الاجتماعي ارتفع عدد سكان مصر بصورة كبيرة خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، وتوسعت المدن وظهرت مناطق عمرانية جديدة، وازدادت أعداد الجامعات والمدارس ووسائل الإعلام الخاصة. كما شهدت مصر نموًا في قطاعات الاتصالات والسياحة والخدمات. لكن الحياة السياسية شهدت استمرار حالة الطوارئ لفترات طويلة، وقانون الطوارئ رقم 162 لسنة 1958 يمنح السلطات صلاحيات استثنائية في ظل إعلان حالة الطوارئ، وتختلف تفاصيل تطبيقها بحسب القرارات والأوامر الصادرة بموجب القانون. ومن أبرز ما كان يسمح به القانون: تقييد حركة الأشخاص أو فرض حظر التجول، مراقبة أو تقييد بعض وسائل المواصلات والاتصالات، تفتيش الأشخاص والأماكن وضبط بعض المواد، الرقابة على الصحف والمطبوعات ووسائل الإعلام، فرض قيود على التجمعات والمظاهرات، وإحالة بعض الجرائم إلى محاكم أمن الدولة طوارئ. كما تركزت السلطة التنفيذية في يد الدولة، واستمر الجدل حول الإصلاح السياسي والانتخابات وحرية الصحافة والمشاركة السياسية. ومع دخول الإنترنت والهواتف المحمولة ووسائل التواصل الاجتماعي إلى الحياة اليومية، ظهرت مساحات جديدة للنقاش السياسي والاجتماعي.

    في يونيو 2010 توفي خالد سعيد في الإسكندرية بعد تعرضه للضرب على يد أفراد من الشرطة بحسب روايات حقوقية وشهود، بينما قدمت السلطات في البداية رواية مختلفة لسبب الوفاة. وأصبح خالد سعيد لاحقًا رمزًا للاحتجاج على انتهاكات الشرطة وقانون الطوارئ. أنشأ وائل غنيم صفحة «كلنا خالد سعيد» على موقع فيسبوك، وتحولت الصفحة إلى إحدى المنصات التي ساهمت في الدعوة إلى احتجاجات 25 يناير 2011. وبالفعل في 25 يناير 2011 اندلعت مظاهرات واسعة في مصر، شارك فيها عشرات الآلاف في بدايتها ثم اتسعت خلال الأيام التالية. ارتبطت الثورة بمطالب سياسية واجتماعية واقتصادية متعددة، من بينها الاحتجاج على الفساد والبطالة وأوضاع المعيشة والمطالبة بتغييرات سياسية. واستمرت المظاهرات والاعتصامات حتى 11 فبراير حين أعلن حسني مبارك تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وانتقلت إدارة البلاد إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة.

    دخلت مصر بعد ذلك مرحلة انتقالية شهدت تعديلات دستورية وانتخابات برلمانية ورئاسية. شارك وائل غنيم في المجال العام بعد الثورة، لكنه لم يكن مرشحًا للرئاسة، كما أن انتخاب رئيس الجمهورية كان خاضعًا لشروط دستورية وقانونية حددت سن المرشح بحد أدنى قدره 40 عامًا. وفي يونيو 2012 أُعلن فوز محمد مرسي في الانتخابات الرئاسية، وأصبح أول رئيس مدني منتخب يتولى رئاسة الجمهورية. ولكن شهد عام 2012 وبداية 2013 خلافات سياسية واسعة حول الدستور والبرلمان وإدارة الدولة والعلاقة بين مؤسسة الرئاسة والقوى السياسية المختلفة. وفي 30 يونيو 2013 خرجت مظاهرات تطالب بانتخابات رئاسية مبكرة وإنهاء حكم مرسي. وفي 3 يوليو أعلن وزير الدفاع آنذاك عبد الفتاح السيسي عزل مرسي وتعطيل العمل بالدستور، وتولى رئيس المحكمة الدستورية العليا عدلي منصور منصب رئيس الجمهورية بصورة مؤقتة. شهدت المرحلة التالية اضطرابات سياسية وأمنية كبيرة، من بينها فض اعتصامي رابعة والنهضة في أغسطس 2013 باستخدام القوة، وسقط خلال الأحداث عدد كبير من القتلى، ثم أُجريت تعديلات دستورية وانتخابات رئاسية جديدة. وتولى عبد الفتاح السيسي رئاسة مصر في يونيو 2014، بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية التي جرت في مايو من العام نفسه. 

    بدأت فترة حكم السيسي في ظل أوضاع سياسية واقتصادية وأمنية مضطربة. ركزت الدولة خلال السنوات التالية على استعادة الاستقرار، وتنفيذ مشروعات قومية واسعة، وإجراء إصلاحات اقتصادية وهيكلية. في المجال الاقتصادي، بدأت الحكومة منذ 2014 إجراءات لخفض عجز الموازنة وإعادة هيكلة الدعم، ولكن ارتفعت أسعار الوقود والكهرباء، ثم اتجهت الدولة إلى برنامج إصلاح اقتصادي أوسع بالتعاون مع صندوق النقد الدولي. وفي نوفمبر 2016 أعلن البنك المركزي تحرير سعر صرف الجنيه، ضمن برنامج حصلت مصر بموجبه على قرض بقيمة 12 مليار دولار من صندوق النقد الدولي. وارتبطت هذه الإجراءات بارتفاع معدلات التضخم وتغير كبير في قيمة الجنيه، إلى جانب إجراءات لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية. وشهدت الفترة نفسها توسعًا كبيرًا في مشروعات البنية الأساسية، ومنها إنشاء وتطوير الطرق والكباري، ومحطات الكهرباء، والمدن الجديدة، والعاصمة الإدارية الجديدة، ومشروعات الإسكان، وتنمية مناطق في سيناء، إلى جانب مشروعات مرتبطة بقناة السويس. كما أطلقت الدولة برامج اجتماعية، من بينها «تكافل وكرامة» و«حياة كريمة»، بهدف تقديم دعم نقدي وتطوير الخدمات والبنية الأساسية في المناطق الأكثر احتياجًا. ومن الملفات التي ظهرت بصورة واضحة خلال هذه الفترة توسع النشاط الاقتصادي للمؤسسات التابعة للقوات المسلحة، ودخولها في قطاعات متعددة، منها الإنشاءات والإنتاج الغذائي والأسمنت والخدمات. وفي الوقت نفسه، أعلنت الحكومة عن سياسة لزيادة مشاركة القطاع الخاص في الاقتصاد، وطرح عدد من الشركات المملوكة للدولة للبيع أو في البورصة. وأصبح تقليص الدور الاقتصادي للدولة والمؤسسات التابعة لها أحد المحاور الرئيسية في برامج الإصلاح الاقتصادي اللاحقة. ويشير صندوق النقد الدولي إلى أن زيادة مشاركة القطاع الخاص وتقليص البصمة الاقتصادية للدولة يمثلان جزءًا أساسيًا من الإصلاحات المطلوبة لاستمرار النمو. أما على مستوى الدين العام، فقد ارتفع الاعتماد على الاقتراض لتمويل احتياجات الموازنة ومشروعات الدولة والاستثمارات العامة. وفي عام 2014 بلغ إجمالي الدين المحلي نحو 1.7 تريليون جنيه في يونيو، بينما بلغ الدين الخارجي نحو 46.1 مليار دولار في الشهر نفسه. وفي يونيو 2025 وصل إجمالي الدين الخارجي إلى نحو 161.2 مليار دولار، وفق بيانات البنك المركزي المصري. واستمرت الإصلاحات خلال السنوات الأخيرة مع تغيرات جديدة في نظام سعر الصرف، خاصة في مارس 2024، عندما انتقلت السلطات إلى نظام أكثر مرونة لسعر الصرف، وأصبح سعر الصرف أكثر ارتباطًا بقوى العرض والطلب. وبحلول 2025، أشار صندوق النقد الدولي إلى تحسن بعض المؤشرات الاقتصادية، مع استمرار وجود تحديات مرتبطة بالدين والإصلاحات الهيكلية ودور الدولة في الاقتصاد.

    أما سياسيًا، فقد شهدت تلك الفترة تعديلات في القوانين المنظمة للانتخابات والمؤسسات القضائية، كما جرت انتخابات رئاسية وبرلمانية واستفتاء على تعديلات دستورية عام 2019. وشملت التعديلات الدستورية تغيير مدة الرئاسة من أربع إلى ست سنوات، وتعديلات أخرى تتعلق بمؤسسات الدولة والقوات المسلحة والسلطة القضائية. وفي المقابل، تعرضت أوضاع الحريات العامة والعمل السياسي والصحافة والاحتجاجات لانتقادات من منظمات حقوقية ومعارضة سياسية، بينما أكدت الحكومة في مناسبات مختلفة أن إجراءاتها تستهدف مواجهة الإرهاب والحفاظ على الأمن والاستقرار. وشهدت السياسة الخارجية المصرية خلال هذه الفترة اهتمامًا بعدد من الملفات الإقليمية، من بينها القضية الفلسطينية، والحرب في ليبيا، والعلاقات مع السودان وإثيوبيا، وأزمة سد النهضة، إلى جانب تعزيز العلاقات مع الدول العربية والولايات المتحدة وروسيا والصين ودول أوروبا. كما استمرت مصر في لعب دور دبلوماسي في عدد من الأزمات الإقليمية.  

    وبذلك ارتبطت فترة حكم السيسي بعدة تحولات رئيسية، من بينها التوسع في مشروعات البنية الأساسية، وإعادة هيكلة الاقتصاد، وتحرير سعر الصرف، وزيادة الاقتراض، وتوسيع برامج الحماية الاجتماعية، إلى جانب تغيرات في المجال السياسي ودور مؤسسات الدولة في الاقتصاد. واستمرت هذه السياسات في التطور خلال أكثر من عقد، مع اختلاف تقييم آثارها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية بين الحكومة ومؤيديها وبين المعارضة والمنظمات المستقلة. 

* * *

    يبقى أن نذكر أن من مظاهر الدولة الحديثة أيضاً أنه في القرن التاسع عشر ظهرت مؤسسات تعليمية وصحفية جديدة، وتطورت حركة الترجمة، وبدأت عملية انتقال واسعة من أشكال الثقافة التقليدية إلى أشكال حديثة من الصحافة والمسرح والأدب. وفي القرن العشرين أصبحت القاهرة مركزًا رئيسيًا للسينما العربية. بدأ الإنتاج السينمائي المصري في وقت مبكر، ثم تحولت القاهرة إلى مركز لصناعة الأفلام والأغاني والمسرح والإذاعة والتليفزيون. وأصبحت السينما المصرية من أهم وسائل التأثير الثقافي في العالم العربي، كما انتشرت الأغنية المصرية والمسلسلات والبرامج الإذاعية والتليفزيونية في مختلف الدول العربية. وكان ظهور الإذاعة في مصر خلال ثلاثينيات القرن العشرين ثم إنشاء التليفزيون المصري سنة 1960 من المحطات المهمة في تاريخ الإعلام المصري. ومع انتشار التليفزيون أصبحت البرامج والمسلسلات والأفلام جزءًا من الحياة اليومية لملايين المصريين، ثم جاءت القنوات الفضائية والإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي لتغير شكل الإعلام مرة أخرى. وفي مجال الأدب ظهرت أجيال متتالية من الكتاب والشعراء، من طه حسين والعقاد وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ الذي حصل على جائزة نوبل في الأدب سنة 1988، ليصبح أول أديب عربي يحصل عليها.

    كما تغير المجتمع المصري من حيث التعليم والعمل والهجرة والعمران. ارتفعت نسبة المتعلمين، وتوسعت مشاركة المرأة في التعليم والعمل، وظهرت طبقات مهنية جديدة، وزادت الهجرة المصرية إلى الدول العربية وأوروبا وأمريكا الشمالية. ولكن في الوقت نفسه استمرت الفروق الاقتصادية والاجتماعية بين المناطق والفئات المختلفة. فكانت القاهرة والإسكندرية من أهم مراكز الحياة الاقتصادية والثقافية والسياسية، بينما ظلت مناطق الصعيد والدلتا وسيناء ومطروح والنوبة تحمل خصوصيات اجتماعية وثقافية مختلفة. ومع التوسع العمراني أصبحت العلاقة بين المدن والقرى أكثر تعقيدًا، وانتقل عدد كبير من السكان من الريف إلى المدن بحثًا عن التعليم والعمل.

    تظهر مصر الحديثة، منذ محمد علي وحتى القرن الحادي والعشرين، باعتبارها مرحلة متواصلة من إعادة تشكيل الدولة والمجتمع. تغير نظام الحكم من ولاية تابعة للدولة العثمانية إلى دولة تتمتع بدرجات متزايدة من الاستقلال، ثم إلى مملكة مستقلة اسميًا مع وجود نفوذ بريطاني، ثم إلى جمهورية بعد حركة يوليو 1952. وتغير الاقتصاد من اقتصاد زراعي يعتمد بدرجة كبيرة على القطن إلى اقتصاد يجمع بين الزراعة والصناعة والخدمات والسياحة والطاقة والاتصالات. وفي النصف الثاني من القرن العشرين أصبحت مصر لاعبًا رئيسيًا في القضايا العربية والأفريقية، وشاركت في الحروب العربية الإسرائيلية، ثم وقعت معاهدة سلام مع إسرائيل سنة 1979، واستمرت في لعب دور إقليمي في العالم العربي وأفريقيا والشرق الأوسط. ومن الناحية السياسية مرت مصر الحديثة بمراحل متعددة: حكم أسرة محمد علي، ثم الحماية والاحتلال البريطاني، ثم الملكية الدستورية، ثم الجمهورية، ثم نظام عبد الناصر، ثم مرحلة الانفتاح في عهد السادات، ثم فترة حكم مبارك الطويلة، ثم ثورة يناير والمرحلة الانتقالية، ثم رئاسة محمد مرسي، ثم مرحلة ما بعد يونيو 2013. وفي الوقت نفسه بقيت عناصر أساسية من المجتمع المصري مستمرة عبر هذه المراحل، من بينها الارتباط بنهر النيل، وأهمية الزراعة، ومركزية القاهرة والإسكندرية، ووجود مؤسسات دينية وثقافية عريقة مثل الأزهر الشريف، إلى جانب استمرار اللغة العربية بوصفها اللغة الرسمية للدولة.

تم.

أهلاً بك، كيف يمكننا مساعدتك؟
اكتب رسالتك...