ميدو يحكي - سيرة ذاتية - الفصل التاسع عشر

ميدو يحكي، سيرة ذاتية، الفصل التاسع عشر.
ميدو يحكي - سيرة ذاتية - الفصل التاسع عشر

    لا أعلم كم من الوقت مر، ربما ساعتين، لا أتذكر ما حدث جيدًا، ولكني كنت أبكي، حزنًا على حالي، وعلى ما أدى بي إلى اتخاذ هذا القرار. لم أكن مقتنعًا بما فعلت، ولكني ربما أردت أن أعبر عن رفضي لما يحدث لي، رفضي لكل شيء. لما بدأت كتابة السيرة الذاتية، قررت أن أتوقف عند قرار البدء في كتابتها، ظننت أنني بلغت نهاية الرحلة، رحلة البطل التي درستها. الرحلة مكونة من عدة مراحل، أهمها الاختبار الأقصى، وهو أصعب اختبار يمكن أن يواجهه البطل. بعد أن قررت كتابة الرواية عن نفسي، وليس عن فتاة البيانو، أصبحت أتعامل مع حياتي كما لو كانت قصة درامية. كنت كلما تعرضت لحدث كبير ومؤلم، ظننت أنه الاختبار الأقصى، وقد ظننت كذلك بعد العودة من الموت أن محاولة الانتحار هي الاختبار الأقصى، ولكني أخشى أن أؤمن بذلك، تحسبًا لما هو آتٍ، من المحتمل أن يكون هنالك اختبار أصعب ما يزال في انتظاري.

    لا أعرف أي نوع من الأبطال أنا. لوقت طويل عددت نفسي بطلًا تقليديًا، يعرف الطريق الصحيح، وسيصل إلى الحل في النهاية. لم أفكر إلى أي نوع من الأبطال أنتمي حين قررت أن أموت، ولكني بعد العودة من الموت فعلت، فلما راودني الانتحار مرة أخرى، قلت لنفسي: ربما أنا بطل ميلودرامي، يجب أن يموت في النهاية، وإذا كان الميلودراميون يموتون على يد قوى أعلى، فأنا لا بد مختلف عنهم، أنا من سيقضي عليّ، لا وجود لقوة أعلى تقتلني. لقد أصبحت كاتبًا من أجل أن أعرف حقيقتي، وأتنبأ بنهايتي، وبما أني أعرف نهايتي جيدًا، عليّ أن أنفذ قرار الموت بنفسي.

    بعد وقت طويل من البكاء، بدأ جسدي يتشنج. هذه هي لحظات خروج الروح إذاً. انزعجت من صعوبتها، هل سأعاني في موتي أيضًا؟ ألا يكفي كل ما قاسيته في حياتي؟! قررت أن أنهي عذابي بسرعة وبنفسي، كتمت أنفاسي بيدي، لأسرع عملية خروج الروح، ولكن يدي كانت تتحرك بعيدًا عن أنفي بلا إرادة مني، وكأن عقلي وجسدي يرفضان الموت! الحياة تتشبث بي. لا أتذكر ما جال بخاطري على وجه التحديد، ولكني لسبب ما تراجعت، ربما لم أتحمل التشنجات العظيمة التي ألمت بأطرافي. كان أبي قد جاء قبل برهة ليسألني إذا ما كنت أريد شيئًا، وقاومت الارتعاش بشدة حتى لا يلاحظه. لسنوات مضت امتنعت عن قول كلمة «بابا»، كنت غاضبًا منه إلى هذا الحد، ولكني في أشد لحظات العجز والخوف نطقتها، ناديته. لا أعرف كيف كان صوتي، ولكنهم علموا من خلاله أن ثمة شيئًا ليس طبيعيًا. جاءوا إليّ، وأضاءوا نور غرفتي. لم أتصور أن مظهري كان مرعبًا إلى الحد الذي رأيتهم يتصرفون بناءً عليه. صرخت أمي ولطمت خديها، على ما أظن، أما أبي فحملني وجعل يصرخ: "مالك يا ميدوو، في إيه؟". حاولت بصعوبة أن أفهمه ماذا فعلت، كنت أتكلم، ولكن الكلام كان غير مفهوم، لم أكن أتكلم بغرابة، وإنما كانت الكلمات تخرج غير مفهومة، لا أدري لماذا. بصعوبة طلبت منهم أن يأخذوني إلى مستشفى. كان صلاح، أخي الأصغر، محتارًا ومتجمدًا، ورأيت الأخ الأكبر!! كان غائبًا عن البيت لشهور، لم يكن موجودًا، ولكني رأيته. عرفت فيما بعد أن أحد الجيران جاء ليساعد في حملي وإنقاذي، ربما تحت تأثير الحبوب التي تعاطيتها هيأ لي أنه الأخ الأكبر. أمر غريب، في أصعب لحظات حياتي، قلت «بابا» ورأيت الأخ الأكبر! رغم أنهما كانا سببًا في كل ما حدث، وأدى بي إلى هذه النتيجة.

    ركبت تمناية أحد الجيران. حين وصلنا إلى أحد مستشفيات العجمي، أجلسوني على كرسي متحرك، ولكن رفضوا استقبال حالتي، لأن حادثة كهذه سوف يحرر لها محضر. صرخت وتوسلت إليهم أن يساعدوني، ولكنهم رفضوا تمامًا. في الطريق إلى محطة الرمل، تقيأت بلا توقف. قال أبي إن ذلك جيد، وأخذت أتحدث إليه بلا تفكير. كنت كما كنت تحت تأثير الحشيش، أقول كل ما يجول بخاطري دون أي حسابات، ولم يفهم كلامي. كما ذكرت، كان كلامي غير مفهوم. قلت له إنني أخشى أن يلومني على فعلتي، قلت الكثير من الأشياء، واعتذرت لصاحب التمناية على تقيؤي داخلها. في المستشفى شعرت بأنهم يعاملونني بغلظة، لأنني أتيت جراء محاولة انتحار، ولأنني كنت أتكلم بلا حساب فقد قلت للطبيب صراحة: "أنتوا بتعاملوني وحش عشان شايفيني منتحر وكافر، صح؟"، فقال لي في تبلد: "هو حد عملك حاجة؟". لم أستطع أن أنام نهائيًا طوال الليل. كان الدواء يساعدني على النوم، ولكنه ليس الدواء الذي تجرعته لأنهي حياتي. كان الجو باردًا، وكنت عادة أشعر بالبرودة أكثر من غيري، ربما لضعف في جسدي. كنت أتحرك بصعوبة، ما أكاد أقف حتى أسقط، لولا الاستناد على الحائط أو السرير، ولكني كنت بحاجة إلى بطانية إضافية. ولما طلبت من أحد الممرضين، قائلًا: "أنا سقعان"، كرر العبارة في سخرية. ولاحظت أن الممرضين يأتون إلى العنبر من حين لآخر للاطمئنان على المرضى، فيما عداي، كانوا يتجاهلون وجودي، وكنت في أمس الحاجة إلى الاهتمام، ليس لصعوبة ما أعانيه، وإنما أقصد الاهتمام المجرد.

    ربما لذلك رغبت في أن يعلم كل من أعرفهم بما حدث لي، تمنيت لو يعلم أصدقاء الجزويت فيأتون إلى زيارتي. وراسلت فتاة البيانو، أخبرتها أنني في المستشفى. سألتني عن السبب، فقلت لها: حدث لي كذا، ثم قلت: "أنتي أكتر حد تعبني ف حياتي.. عمري ما هسامحك". لم تكن سببًا مباشرًا في قراري، على حد علمي، ولكن لسبب ما شعرت أنني أريد قول ما قلت، ولما أفقت لم أشعر برغبة في تصحيح الوضع، ولكني فيما بعد أرسلت لها قائلًا: "أنتي مش سبب ف اللي حصلي"، لما علمت أنها رفضت الذهاب لمعالجتي النفسية، التي رشحتها لها، إذ قالت إن زيارتها لنفس المعالجة سوف تذكرها دومًا بما حدث لي. وجاءني مصطفى، سافر من رشيد إلى الإسكندرية في منتصف الليل حتى يراني في المستشفى، ولم يسمحوا له سوى بدقائق قليلة داخل العنبر. قال لي فيما بعد إن أبي كان مهتمًا لأمري إلى أقصى حد. قالها في سياق الحديث عن غضبي وموقفي من أهلي، وما حدث دفعني فعلًا إلى إعادة النظر في الأمر.

    جاء أبي وأمي صباحًا لأخذي من المستشفى. قال الأطباء إن خروجي سيكون على مسؤولية الوالد، ووافق على ذلك. سندوني، إذ لم أكن قادرًا على التحرك، وقد أثار ذلك في نفسي خوفًا، مثلما أثار تعاطي الحشيش في نفسي الخوف من أنني لن أفيق أبدًا. فكرت حينها أنني لن أستطيع أن أمشي ثانيةً. في طريق العودة إلى المنزل، لم أتوقف عن البكاء. قال لي أبي: إنك أبعدت نفسك عني لزمن. لم يكن يلومني، وإنما جاء الكلام في سياق الحديث عن سبب رغبتي في الموت. قلت له: "عشان أنت مديت إيدك عليّا". لم أتصور يومًا أنني سأواجهه بذلك صراحةً، لم أتصور أنني سأظهر ضعفي أمامه بهذا الشكل. الموت صنع كل المعجزات! الموت أخرج كل ما في الأعماق، الموت أعادني للحياة.

أهلاً بك، كيف يمكننا مساعدتك؟
اكتب رسالتك...