American Beauty - جمال أبسط الأشياء

تحليل سيناريو American Beauty.

    American Beauty فيلم روائي طويل، من تأليف آلان بول. يدور الفيلم حول ليستر برنهام، رجل أربعيني يشعر بالملل من عمله، وبالفتور في زواجه، ويعاني من الابتعاد عن ابنته جين. تتغير حياته عندما يلتقي بصديقة ابنته أنجيلا، فيشعر بانجذاب جنسي محموم تجاهها. لكن الفيلم لا يتعامل مع هذه الرغبة بوصفها مجرد هدف يسعى البطل إلى تحقيقه، وإنما يستخدمها نقطة انطلاق للكشف عن حياة ليستر وعائلته، وعن الأشخاص الذين يعيشون حوله، وعن المسافة الكبيرة بين الصورة التي يحاول كل منهم تقديمها للآخرين، والحقيقة التي يخفيها في داخله. إذ يعرض American Beauty مجموعة من الشخصيات التي تبدو، للوهلة الأولى، نماذج مألوفة من الحياة الأمريكية في الضواحي، لكن الاقتراب منها يكشف قدرًا عظيماً من التعقيد. 

American Beauty - تأملات في جمال أبسط الأشياء

    سنبدأ مع كارولين برنهام، زوجة ليستر، منشغلة بالمظاهر والنجاح والصورة الاجتماعية. تعمل في مجال العقارات، وتتعامل مع النجاح باعتباره شيئًا يجب إظهاره باستمرار، حتى وإن كانت حياتها الحقيقية مختلفة كلياً عن الصورة التي تحاول تقديمها. ولهذا تنجذب إلى بادي كين، تاجر العقارات الناجح الذي يمثل بالنسبة إليها صورة الإنسان الذي استطاع أن يحقق ما تعجز هي عن تحقيقه. وفي عالم كارولين، هي مقتنعة تماماً بأنه لا يكفي أن يكون الإنسان ناجحًا؛ بل يجب أن يبدو ناجحًا أيضًا. 

    أما ريكي فيتز، ابن العقيد فرانك فيتز، فهو من أكثر شخصيات American Beauty اختلافًا عن الصورة التي يمكن أن نتوقعها منه. يعيش ريكي تحت سلطة أب يمارس عليه عنفًا جسديًا ونفسيًا جسيمين، ومع ذلك يظهر ريكي قدرًا كبيرًا من الهدوء والثقة بالنفس. يعمل ريكي في توزيع المخدرات، ويستخدم كاميرا الفيديو لتسجيل الأشياء التي يراها جميلة أو تستحق التأمل، حتى لو كانت أشياء بسيطة للغاية، مثل كيس بلاستيكي يتحرك في الهواء بلا توقف. ومن خلاله يقدم American Beauty واحدة من أهم أفكاره الأساسية: أن الجمال قد يكون موجودًا في الأشياء العادية التي لا ننتبه إليها.

    في المقابل، تبدو أنجيلا شخصية واثقة ومغرورة، تحاول باستمرار أن تقدم نفسها باعتبارها فتاة مرغوبة جنسياً وذات خبرة في العلاقات، وتحكي لجين دوماً عن مغامراتها مع الرجال، رغم أن حقيقتها أكثر تعقيدًا من الصورة التي تصنعها لنفسها. وهنا يستخدم آلان بول الفارق بين ما تقوله الشخصية عن نفسها وما نكتشفه عنها تدريجيًا. أنجيلا ليست الفتاة المثيرة التي يراها ليستر موضوعًا لرغباته، وإنما هي مجرد شخصية تحاول هي الأخرى أن تبني لنفسها صورة معينة أمام الآخرين، لأنها غير واثقة تمامًا من حقيقتها.

    أما جين، ابنة ليستر، فهي شخصية غير راضية عن مظهرها وعن حياتها وعن علاقتها بوالديها. تزداد المسافة بينها وبين أبيها وأمها كلما مر الوقت. لذلك تجد في ريكي شخصًا يستطيع رؤيتها بطريقة مختلفة. لا ينظر إليها باعتبارها فتاة تحتاج إلى إثبات جمالها أو جاذبيتها. العلاقة بين جين وريكي تكشف جانبًا مختلفًا من American Beauty، لأنها تقوم على المشاركة والفهم في مقابل العلاقات الأخرى التي تقوم على المظاهر والخوف وصراعات الإثبات.

    ويأتي فرانك فيتز، والد ريكي، بوصفه شخصية أخرى قائمة أساساً على التناقض الصارخ. فهو رجل عسكري شديد الصرامة، يفرض على ابنه نظامًا قاسيًا، ويعلن رفضه للمثلية الجنسية في كل مناسبة تتاح له، بينما يخفي هو نفسه رغبات ومخاوف لا يستطيع مواجهتها، وهي كونه في الحقيقة مثلي الجنس. وزوجته تعيش في حالة من الانغلاق والصمت، وكأن وجودها داخل هذا المنزل جزء من حياة أسرية فقدت قدرتها على التواصل، بسبب نظام الأب شديد الحزم وطبيعته.

    وهكذا تصبح الأسرة في فيلم American Beauty مجموعة من الأشخاص يعيشون تحت سقف واحد، لكن كل فرد منهم يعيش في عالم خاص منفصل عن الآخرين. كل هذه الشخصيات تجعل الفيلم قائمًا على فكرة أساسية: لا أحد هنا في حقيقته كما يبدو عليه تماماً. وهذا تحديدًا من أهم عناصر قوة السيناريو الذي كتبه آلان بول. ومن اللافت أن American Beauty لا يكتفي بتقديم الشخصيات من خلال أفعالها الكبيرة، وإنما يمنح المشاهد بعضها لحظات صغيرة تكشف جذورها النفسية. كارولين، مثلًا، كانت في طفولتها كانت تتظاهر بالإغماء لجذب انتباه الآخرين إليها، وهو ما يجعل اهتمامها المستمر بالصورة والمظهر في حياتها الحالية امتدادًا لسلوك قديم. 

    أما عن البطل، ليستر بيرنام. فطوال الفيلم يبدو ليستر أنه يسعى إلى استعادة حيوية حياته، وتتحول أنجيلا في خياله إلى رمز لهذه الحياة التي يشعر بأنه فقدها، رغم أن جمالها متواضعاً، ولكنه رأى فيها الجمال كل الجمال. ولكن ليستر عندما يصل إلى اللحظة التي يمكنه فيها أن يحقق ما كان يتخيله، يتراجع، وهو تصرف جدير بدفعنا نحو التعاطف معه، وحبه رغم كل مساؤه. كما أنه قبل موته أيضاً يتذكر ابنته جين، وقد سأل أنجيلا عنها، بعد أن أفاق من غفلته، في لحظة أصبح فيها اهتمامه بابنته حقيقيًا، بعد أن كان قد قضى جزءًا كبيرًا من الفيلم بعيدًا عنها، لقد حاول ليستر تغيير حياته العادية إلى حياة أجمل، ولكنه يكتشف آخر المطاف أن الجمال يكمن في تلك الأشياء البسيطة، التي يتذكرها قبل موته، ابنته، وزوجته، ولحظات لا تنسى من طفولته.

    وهذا يقودنا مرة أخرى إلى ريكي، الذي يمثل النقيض الكامل لليستر في طريقة رؤيته للعالم. ريكي لا يحتاج إلى تغيير كل شيء حوله لكي يرى الجمال؛ فهو يراه في الأشياء الموجودة بالفعل. يصور ما يراه لأنه يعتقد أن العالم يحتوي على لحظات جميلة حتى في أكثر الأماكن عادية. وكذلك الفيلم، إن جمال American Beauty  لا يأتي من كونه يحكي قصة استثنائية عن أشخاص استثنائيين، وإنما من محاولته النظر إلى الحياة اليومية واكتشاف ما يوجد تحت سطحها. الشخصيات التي تبدو في البداية نماذج بسيطة نكتشف تدريجيًا حقيقة أنها شخصيات مليئة بالتناقضات. وكما يرى ريكي الجمال في كيس بلاستيكي يتحرك مع الهواء، يحاول American Beauty أن يجعلنا نرى الجمال والتعقيد في حياة أشخاص عاديين جداً. 

تم.
كيف حالك اليوم؟
اكتب رسالتك من هنا..