كيف تكتب فيلم سيرة جيد؟ ما فعله كُتّاب وأغفله آخرون

كيف تكتب فيلم سيرة جيد؟ مايكل جاكسون
* * *

    أقلقتني بداية فيلم مايكل، بمايكل جاكسون طفلًا. ظننت أن الكاتب جون لوغان وقع في نفس الفخ الذي وقع فيه أحمد مراد، كاتب كارثة الست -لن أقول فيلمًا، حيث بدأه بأم كلثوم طفلة أيضًا. وقد كانت مفارقة لطيفة أن يصدر في نفس السنة وبين أشهر قليلة، فيلمان يتناولان قصة أسطورتين من أساطير الغناء؛ أسطورة عربية وأخرى عالمية. ولكن كاتب مايكل بدأ به طفلًا بناءً على سبب درامي، وهو أن صراع مايكل الرئيسي كان ضد والده العنيف المتسلط، فكان من المبرر دراميًا أن يبدأ به طفلًا يتعرض للقهر من قبل والده، لنتفهم رغبته، فيما بعد، في الخروج من أسر الوالد. أما كارثة الست، فقد بدأ الكاتب بأم كلثوم طفلةً فقط لأنه أراد ذلك، دون أي مبرر درامي. بل إن الأكثر هزلية أن الأحداث التي دارت في طفولتها كان أبوها هو البطل، لا هي. وكان من الممكن أن يتناول الكاتب قصة أم كلثوم من خلال بطل آخر غيرها إذا كانت الدراما تقتضي ذلك، مثلما فعل كاتبوا فيلم Loving Vincent حيث تم تناول قصة فان جوخ من خلال بطل دونه يبحث عن حقيقة موت فينسنت، ولم يقع الكتاب في فخ جعل فان جوخ هو البطل، الذي وقع فيه كتاب آخرون في أفلام مثل At Eternity's Gate، وهو فيلم تناول سيرة فان جوخ أيضاً. فمن الناحية الدرامية، فينسنت فان جوخ لا يصلح أن يكون بطلًا، ليس لأنه غير مثير للاهتمام، وإنما لأن التناول الدرامي المثالي لقصته هو ما فعله كاتبوا Loving Vincent، وكذلك ما فعله نجيب محفوظ مع قصة إخناتون في رواية العائش في الحقيقة، إذ تناولها من خلال بطل يقابل من كانوا يعرفون إخناتون ليخبرونه عنه.

    وفي سياق متصل، نتساءل: من بطل فيلم صوت هند رجب؟ منذ البداية، وحتى بعد منتصف الفيلم، ظننت أن عمر هو البطل، ولكني أخذت أفكر: ما العيب الدرامي الذي يعاني منه عمر، ومن المفترض أن يتغير في النهاية بسبب الرحلة التي سيخوضها كبطل يحاول إنقاذ طفلة من براثن الاحتلال الإسرائيلي؟ ولما لم أجد فيه عيبًا دراميًا، ظننت أن الكاتبة كوثر بن هنية قد فعلت مثلما فعل ريجينالد روز كاتب 12 Angry Men، بأن جعل التحول يحدث للخصم، لا للبطل. فقد بدأ الخصم -رقم 3- متعنتًا، يريد الانتقام من ابنه في هذا المتهم المسكين، وانتهى الفيلم باعترافه بأنه بريء، بينما لم يحدث للبطل أي تحول درامي، ولكنه البطل لأنه من قاد رحلة إقناع هؤلاء الرجال ببراءة الشاب المتهم. ما جعلني أظن أن الخصم -في صوت هند رجب، مهدي، مدير المستشفى- هو من سيتحول، ولكن لم يتحول لا هذا ولا ذاك، لا البطل ولا الخصم، بل تحول السيناريو من بطل إلى بطل آخر! نعم، لقد قادت رنا الأحداث في الربع الأخير تقريباً من الفيلم. لم أفهم ماذا يحدث بالضبط. يبدو أن الكاتبة أرادت نقل الواقعة كما حدثت في الحقيقة، دون إخضاعها للضوابط الدرامية اللازمة. إن أرادت ذلك، فكان عليها أن تصنع فيلمًا وثائقيًا، وإن لزم الأمر كان من الممكن أن تضيف إليه بعض المشاهد الممثلة، فيما يعرف بالـ Docudrama، مع الخضوع لبعض الضوابط، بالطبع.

    وما أثار حنقي أكثر هو رد أحد الأصدقاء، الذي كان معجبًا بفيلم صوت هند رجب ورشحه لي لأشاهده. حين سألته عن بطل الفيلم، فقد قال لي: "البطل هو صوت هند رجب!!". لا يوجد في الدراما بطل سوى الشخصيات. دعك من هراء "المكان هو البطل"، أو "الزمان هو البطل"، أو "الطبيعة هي البطل". هذه تعبيرات مجازية تُقال للتعبير عن أهمية أحد هذه العناصر في الدراما، ولكن القاعدة تقول: إذا أردت أن تصنع فيلمًا -روائياً على وجه التحديد- فعليك أن تختار بطلًا تدور حوله الأحداث، بطلًا يخوض صراعًا، ويواجه مصاعباً وهو يحمل عيبًا معينًا يتخلص منه مع نهاية الفيلم، إن كان بطلًا تقليديًا، مثل كوب في فيلم Inception من تأليف كريستوفر نولان، الذي يتخلص في نهاية الفيلم من إحساسه بالذنب تجاه زوجته. أو تتوحش عيوب البطل مع نهاية الفيلم إن كان بطلًا سلبيًا، مثل جعفر الراوي في رواية وفيلم قلب الليل تأليف نجيب محفوظ، الذي يفقد عقله في النهاية بسبب هوسه بالحرية. أما صوت هند رجب ذاته فلا يصلح أن يكون بطلًا، لأنه ليس شخصًا، وهند رجب نفسها لا تصلح أن تكون بطلة درامية؛ لأنها ببساطة لا تخوض صراعًا، لا تتحول وتتغير، وليس لأنها لا تظهر في الفيلم، فبطل فيلم الرسالة، النبي محمد، لم يظهر مطلقًا خلال أحداث الفيلم، وإنما كان قائد الأحداث والمحرك الأساسي لها، كان بطلًا تقليديًا يصارع الخصم أبا سفيان ومن حوله، حتى انتصر في النهاية، فأسلم الخصم لله، واعترف بأن البطل رسولٌ من عند الله.

    شيء آخر جذب اهتمامي بخصوص المقارنة بين مايكل وكارثة الست، وهو أن كاتب مايكل أنهى السيناريو بعد انفصال مايكل أخيرًا عن أبيه وإخوته. وهذا دليل على أن الكاتب محترف بحق، يعلم جيدًا أن الدراما تنتهي عندما ينتهي الصراع بين البطل والخصم، وليس بالضرورة عند موت البطل أو نهاية رحلته كمغنٍ. ولم يقع في الفخ الذي وقع فيه كاتب كارثة الست، الذي أخذ يسترسل في عرض أحداث حياتها، بلا قيمة درامية حقيقية لمعظم تلك الأحداث. وقد كان من الممكن اختزال الفيلم ليتناول فقط الربع ساعة الأخيرة، والتي استغلها الكاتب -كما ذكرنا في مقال سابق- ليخدع المشاهد في نهاية الكارثة، ويوهمه بأنه شاهد فيلمًا، حتى يدفعه إلى تقبل ما حدث خلال ساعتين وأكثر من أحداث عبثية عديمة المعنى.

تم.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال