أحمد مراد - أسطورة كاتب مصري هل ينهيها فقدان الشغف؟!

    في عام 2017، حصل الكاتب المعاصر الأشهر في مصر أحمد مراد على جائزة الدولة التقديرية للتفوق في الآداب. وقد كانت هذه الجائزة هي المحطة الأهم في مسيرته الإبداعية؛ إذ تختلف أعمال مراد التي سبقت الفوز بها اختلافاً ملحوظاً عن تلك التي تلتها، سواء من حيث الجودة أو من حيث العمق الفني. وفي هذا المقال، أتناول رحلة أحمد مراد الإبداعية باعتباره روائياً وسيناريستاً غير ملامح الصناعتين بلا شك، محاولاً التعرف على سبب تراجع مستوى أعماله الأخيرة، مقارنة بما سبقها.

أحمد مراد


عن أحمد مراد

    أحمد مراد كاتب مصري من مواليد القاهرة عام 1978م. تخرج من قسم التصوير بالمعهد العالي للسينما في مصر عام 2001م، وعمل لسنوات مصوراً شخصياً لرئيس الجمهورية. قدم للأدب الروايات: فيرتيجو، تراب الماس، الفيل الأزرق، 1919، أرض الإله، موسم صيد الغزلان، لوكاندة بير الوطاويط، أبو الهول، بالإضافة إلى كتاب غير روائي بعنوان القتل للمبتدئين. كما كتب للسينما سيناريوهات الأفلام: الفيل الأزرق (الجزءان الأول والثاني)، الأصليين، تراب الماس، كيرة والجن، والست.


نبوءة أحمد مراد بثورة يناير

    بدأ أحمد مراد مسيرته الروائية بقوة لافتة من خلال روايتيه الأولتين: فيرتيجو وتراب الماس. ورغم أن فيرتيجو كانت روايته الأولى، إلا أن مراد كتبها تقريباً كما يقول الكتاب، وأعني بالكتاب هنا مؤلَّف جوزيف كامبل الشهير البطل بألف وجه، والذي يُعد بلا شك العمل الأكثر تأثيراً في تاريخ السرد الدرامي. لقد اتبع مراد بدقة رحلة البطل عند كامبل، بدءاً من العالم الاعتيادي وصولاً إلى العودة بالإكسير. تروي فيرتيجو قصة أحمد كمال، المصور البسيط الذي تقع بين يده صورٌ تدين مسؤولين حكوميين فاسدين، فيقرر كشفها للرأي العام، ولكن كيف يفعل ذلك دون أن يعرض حياته للخطر؟ أما تراب الماس، فقد أظهرت بوضوح الجهد الكبير الذي بذله أحمد مراد لإتقان حرفة السرد الدرامي الاحترافي، ووصلت الرواية إلى مستوى فني رفيع للغاية، وتراب الماس تكاد تكون عمله الأفضل من حيث الجودة. يمكن النظر إلى الروايتين كنبؤة بثورة 25 يناير 2011 في مصر، فقد استعرضتا الفساد السياسي المستشري في المجتمع المصري، وعلاوة على ذلك، فقد لجأ بطل فيرتيجو في النهاية إلى الإنترنت لفضح المسؤولين الفاسدين، تماماً كما فعل الثوار الشباب الذين استخدموا منصة التواصل الاجتماعي فيسبوك للحشد ليوم الخامس والعشرين من يناير. كما ارتبطت الروايتان ارتباطاً وثيقاً بزمنهما التاريخي، حيث لم يعد الفساد السياسي أمراً جديداً على المواطن المصري، وهي حقيقة مؤلمة بلا شك. وفي ظل هذا الواقع، اختار أحمد كمال في فيرتيجو وطه الزهار في تراب الماس البقاء في الظل، إدراكاً منهما أن التخفي هو مصدر قوتهما، وبدلاً من محاولة إسقاط النظام بشكل مباشر، اكتفى كل منهما بإلقاء حجر في مياه راكدة، إذا استعرنا تعبير أحمد مراد نفسه.


هروب أحمد مراد من الواقع

    بين عامي 2011 و2012م، وفي أعقاب نجاح ثورة 25 يناير، هيمنت السياسة على تفاصيل الحياة اليومية لدى المواطن المصري، وصار كل مصري تقريباً محللاً سياسياً. في هذه الفترة، اختار أحمد مراد الابتعاد عن الأحداث الجارية بإصدار رواية الفيل الأزرق، وهي رواية منفصلة تماماً عن الاضطرابات السياسية المحيطة. وقد كان هذا قراراً ذكياً؛ فالأحداث التاريخية الكبرى غالباً ما تحتاج إلى مسافة زمنية كافية لاستيعابها بالكامل. وفي الوقت نفسه، وسّع هذا الاختيار من قاعدة قراء أحمد مراد بشكل هائل، إذ يلجأ الكثير من القراء إلى الروايات تحديداً للهروب من الواقع والانغماس في عوالم مغايرة. ونتيجة لذلك، حققت الفيل الأزرق نجاحاً تجارياً استثنائياً، ولا تزال الرواية الأكثر مبيعاً من بين أعمال أحمد مراد حتى اليوم، وإن لم تكن الأقوى من الناحية الفنية، فقد جاءت البنية الهيكلية للفيل الأزرق مفككة بعض الشيء، ولم تكن أحداثها تقود إلى بعضها بشكل انسيابي وطبيعي، بخلاف ما تنص عليه المبادئ التقليدية لفن السرد، ولكن نجح هذا التفكك في تعزيز حالة التخبط والشك المحيطة بالحالة النفسية والعقلية للبطل. كما تنتهي الرواية بنهاية غير متوقعة تترك القارئ أمام سيل من الأسئلة والشكوك العالقة. لكن، على العكس من فيرتيجو وتراب الماس، تفتقر الفيل الأزرق إلى رسالة واضحة، ولعل هذا يعكس ببساطة رغبة مراد -ورغبة الكثير من القراء- في الهروب مؤقتاً من وطأة الواقع السياسي المعقد آنذاك.


السينما تدخل مسيرة أحمد مراد

    في عام 2014م، دخل أحمد مراد مرحلة جديدة في مسيرته الإبداعية، كانت مرحلة أكثر تجارية وأقل عمقاً من الناحية الفنية، حيث أصبحت السينما محوراً أساسياً في نتاجه الإبداعي. ورغم أنه بدأ في تحويل تراب الماس إلى سيناريو قبل عام أو عامين من ذلك، إلا أن الفيل الأزرق كانت أول عمل يخرج إلى الشاشة السينمائية في عام 2014، بالتزامن مع كتابته لروايته الرابعة 1919. كتب مراد رواية 1919 في أعقاب أحداث 30 يونيو 2013م، وإقصاء جماعة الإخوان المسلمين عن الحكم، وعودة الوضع كما كان عليه لعقود، بأن سيطرت القوات المسلحة على السلطة السياسية. هنا بعد أن استكشف أحمد مراد الفساد في عهد حسني مبارك في روايتيه الأولتين، حيث ربط مراد -في رواية تراب الماس تحديداً- الأحداث المعاصرة بثورة 23 يوليو 1952م، وبقصة محمد نجيب والضباط الأحرار، ليقدم مقاربة تاريخية لافتة؛ إذ تشابهت العلاقة بين محمد مرسي وعبد الفتاح السيسي في جوانب عدة مع العلاقة بين نجيب والضباط الأحرار. وبدلاً من الوقوف عند حدود التاريخ الحديث، غاص أحمد مراد في 1919 في عمق الماضي المصري السياسي والتاريخي أكثر وأكثر، وهو ما يبرهن على ذكاء مراد ككاتب وكمفكر، إذ تعيد 1919 قراءة فترة الاحتلال البريطاني لمصر، وثورتي عرابي وسعد زغلول المبتورتين، وتسلط 1919 الضوء على شخصيات تاريخية مهمشة، مثل أحمد كيرة، وعبد القادر الجن، ودولت فهمي. ومن خلال قصصهم، يبرز مراد التضحيات الجسيمة التي قدمها هؤلاء المقاومون من أجل استقلال مصر، وما واجهوه في المقابل من خذلان ونكران. أما من الناحية الفنية، لم تصل 1919 إلى مستوى أعمال مراد السابقة، وينطبق الأمر ذاته على رواية أرض الإله التي تلتها، والتي سافر فيها مراد إلى مسافة أبعد في التاريخ المصري ليعيد قراءة قصة موسى وفرعون، محاولاً دحض الاعتقاد الشائع بأن فرعون موسى كان مصرياً. ولم تحقق أي من الروايتين النجاح الجماهيري الذي حظيت به أعمال مراد السابقة. وفي الوقت نفسه، كان مراد يوسع مساحته في حقل كتابة السيناريو بكتابة سيناريو فيلم الأصليين، الذي استكشف كيفية سيطرة الدولة على المواطنين عبر ثقافة الاستهلاك، إلى جانب تحويل تراب الماس أخيراً إلى فيلم سينمائي، في الوقت ذاته.


ذروة مسيرة أحمد مراد الإبداعية

    أعقب ذلك صدور الرواية السادسة للكاتب أحمد مراد، رواية موسم صيد الغزلان، والتي حققت -على النقيض من روايتيه السابقتين- نجاحاً مدوياً وأثارت جدلاً واسعاً. تركز الجدل حول شخصية البطل الملحد، الذي جرت عليه تساؤلاته الفلسفية انتقادات حادة؛ بل واتُّهم مراد نفسه بالإلحاد والانحلال الأخلاقي، على الرغم من أن تأملات البطل حول الذات الإلهية والدين والشيطان لم تكن قوية أو عميقة بالقدر الذي يبرر كل هذا الذعر الذي انتاب القراء، ولكن إن رد الفعل هذا ربما كشف عن طبيعة المجتمع المصري، الذي يبدو وأنه محاصرٌ بالخوف تجاه أبسط الأسئلة وأكثرها بدائية. 

    تدور أحداث موسم صيد الغزلان في سبعينيات القرن الحالي (عقد 2070م)، بعد أن ارتفع منسوب مياه البحر الأبيض المتوسط فأغرق الإسكندرية، تاركاً حي الزمالك في القاهرة كأثر من العصور الغابرة. ورغم خلفية الرواية المستقبلية، تظل موسم صيد الغزلان وثيقة الصلة بالواقع المعاصر. وفي حديثه عن الرواية، أوضح أحمد مراد أن أبحاثه اعتمدت بشكل كبير على علم النفس التطوري، وهو علم يُرجع الكثير من السلوكيات البشرية -حتى تلك المصبوغة بصبغة حضارية- إلى غرائز بدائية. وكما صاغها مراد، فإننا رغم كل التقدم التكنولوجي والثقافي، ما نزال نفس الرجل والمرأة اللذين عاشا يوماً في الكهوف. ومن هذا المنطلق يبرز بطل الرواية نديم، الذي يطارد امرأة متزوجة بتركيز ضارٍ كصياد، مستخفاً بزوجها وواصفاً إياه بـ الثديي الباهت. ومع ذلك، ورغم تفوقه الفكري، يظل نديم في كثير من الأفكار نموذجاً للرجل الشرقي؛ فهو يرى أن العهر متأصلاً في جينات الأنثى، ويظهر استعلاءً جلياً، ويعاني من تناقض عاطفي حاد: فلا يطيق وطأ المرأة التي يحبها حقاً، ولا يتخيل الزواج من النساء اللواتي يجد معهن متعة جسدية!

    تجدر الإشارة هنا إلى مدى صعوبة بناء رواية كاملة اعتماداً على عدد محدود جداً من الشخصيات، ويزداد التحدي حين يكون البطل هو الراوي، لذلك يُحسب لمراد قدرته العالية على خلق عوالم داخلية متميزة وتفاصيل دقيقة خاصة لكل شخصية، مما جعل الحوارات بينهم يتطور بشكل طبيعي ويدفع بالدراما إلى الأمام. وقد ساهم اختيار مراد للراوي المتكلم في تحقيق هذا الإنجاز بلا شك، أي أن مراد طوع العائق وجعله وسيلة مساعدة، فرغم أن هذا المنظور ينتج عادةً قصصاً أقصر وأكثر تكثيفاً، إلا أن مراد حوله إلى أداة لسبر أغوار النفس البشرية عبر الحياة الداخلية الثرية لنديم. بالإضافة إلى ذلك، فإن جهل نديم بالطبيعة الحقيقية لـ الملاذ -المكان الذي يحتضن معظم الأحداث- بالتوازي مع رغبة نديم في صيد أنثى طارق خصمه، كانا يدفعان البطل باستمرار للتخمين، ووضع الاستراتيجيات، وإعادة تفسير الأحداث، مما أضفى على الرواية مستويات إضافية من التوتر والتفاصيل. وكما أشرنا سابقاً، فإن هذه المونولوجات الداخلية الطويلة حجبت عن الكثير من القراء فهم حقيقة شخصية نديم، ويمكن القول إن الرواية قامت بانتقاء جمهورها تلقائياً، فكافأت القارئ المستعد لتقبل وجهات نظر مغايرة، واستبعدت من ضاق ذرعاً بما يهدد قناعاته وثوابته. كما يستحق مراد الثناء لرفضه الانصياع لإغواء إنهاء الرواية بهداية دينية دراماتيكية للبطل؛ حيث لم يتحول نديم فجأة إلى مؤمن، لأن البشر نادراً ما يمرون بتحولات حادة كهذه. وبالمثل، تعمد مراد عدم إرضاء القراء المتجمدين بجعل بطله ينطق بالشهادتين في نهاية الرواية، وهو خيار ناقشه الكاتب نفسه لاحقاً في لقاءاته.

    عاش أحمد مراد بين عامي 2014 و2018م فترة إنتاجية استثنائية الغزارة؛ فخلال هذه السنوات الأربع، نشر ثلاث روايات: 1919، وأرض الإله، وموسم صيد الغزلان، وكتب ثلاثة سيناريوهات سينمائية: الفيل الأزرق، والأصليين، وتراب الماس. لقد كان مجمل هذه الأعمال كافياً ومبرراً تماماً لفوزه عن استحقاق بجائزة الدولة للتفوق في الآداب.


تراجع أحمد مراد

    غير أن الأعمال التي قدمها أحمد مراد بعد حصوله على جائزة الدولة تحكي قصة أخرى. فرغم النجاح التجاري الضخم الذي حظيت به، لا سيما في السينما، حيث حقق فيلم الفيل الأزرق الجزء الثاني ومن بعده كيرة والجن أعلى الإيرادات في تاريخ السينما المصرية، إلا أن جودة هذه الأعمال الفنية تراجعت تراجعاً حاداً. وشخصياً، وجدتُ هذه الأعمال من الضعف بحيث لم أستطع مشاهدتها أو قراءتها أكثر من مرة، بل إن إتمامها لمرة واحدة تطلب جهداً كبيراً جداً. كان فيلم الجزء الثاني من الفيل الأزرق مبهراً بصرياً لكنه خاوٍ داخلياً، ومع ذلك، ظلت بنيته الهيكلية متماسكة نسبياً مقارنة بما تلاه. أما فيلم كيرة والجن، فقد جاء مترهلاً ومفككاً؛ إذ يفتقر السرد فيه إلى التماسك، تتوالى أحداثه دون تسلسل، وتتطور بلا تصاعد درامي حقيقي، وتنتهي دون تقديم أي قيمة موضوعية ملموسة. ويعود الفضل الأكبر في النجاح التجاري الهائل لفيلم كيرة والجن إلى قوة النص الروائي الأصلي، الذي صمدت بنيته الدرامية بما يكفي لإنقاذ العمل السينمائي المأخوذ عنه. 

    أما كارثه مراد الأخيرة -لن أقول سيناريو- الست، فيمثل في نظرنا العمل السينمائي الأسوأ في مسيرته كلياً، بل إنه أحد أسوأ الأعمال الدرامية التي تلقيتها في حياتي. فعلى العكس من كيرة والجن، لم تستند الكارثة إلى رواية قوية تدعمها. ويبدو أن مراد قد وصل في هذه المرحلة إلى ذروة الإنهاك الإبداعي وفقدان الشغف، إذ يظهر في العمل حالة مفزعة من الاستسهال، وممارسة الفهلوة، إذ يتظاهر العمل طوال الوقت بتقديم أفكار عميقة بينما هو في الحقيقة لا يقول شيئاً على الإطلاق. وإن تسميته سيناريو سينمائي لفيها الكثير من التجاوز؛ فهو تجربة مرهقة، بصرياً ونفسيا، عبارة عن تجميع لمشاهد مفككة وغير منطقية رُقعت بنهاية مخادعة تهدف إلى إقناع المشاهد بأنه تابع فيلماً، وهو في الواقع ليس كذلك.

    وفيما يتعلق بأعمال أحمد مراد الأدبية في الفترة نفسها -روايتي لوكاندة بير الوطاويط وأبو الهول- فقد كانت أقوى من الأفلام، ليس لأنها جيدة، بل لأن الرواية تمتلك قدرة فريدة على إخفاء عيوب القصة البنائية خلف بريق اللغة والسرد، الذي برع فيهما أحمد مراد، بالإضافة إلى سيطرة الكاتب الكاملة -في الراوية- على تجربة القارئ. لكن حتى هذه المزايا لم تفلح في ستر عيوب لوكاندة بير الوطاويط أو الفشل شبه الكارثي لرواية أبو الهول. بغض النظر عما واجهته الروايتان من اتهامات بالسرقة من أعمال أدبية لكتاب آخرين، فقد كانت الروايتان مجرد استعراض لخيال مراد الخصب وموهبته الفريدة في بناء عوالم خيالية جذابة، لكنهما -على غرار أفلامه الأخيرة- افتقرتا إلى جوهر حقيقي؛ فقد بدآ وانتهيا دون أن يتركا فكرة واحدة في ذهن القارئ. كتب فرانز كافكا ذات مرة: "الكتاب يجب أن يكون الفأس التي تكسر البحر المتجمد في داخلنا". وللأسف، لم يرقَ أي عمل من أعمال أحمد مراد بعد جائزة الدولة إلى هذا المعيار. 

    لقد عانيت كثيراً من أجل إنهاء أفلام مثل الست وكيرة والجن، ورواية لوكاندة بير الوطاويط، في حين عجزت تماماً عن قراءة أبو الهول. ولا يمكنني أبداً تخيل العودة إلى هذه الأعمال أو إعادة تلقيها مجدداً لغرض التحليل أو التأمل العميق. في رأيي، تصنف هذه الأعمال دون عتبة النقد الجاد؛ وبعضها يكاد لا يرقى حتى ليكون جديراً بالاستهلاك. ولعل من الجيد في نهاية المطاف أن لم يحقق فيلم الست ولا رواية أبو الهول نجاحاً تجارياً يذكر، ويحدونا الأمل في أن تدفع هذه الخيبة أحمد مراد إلى التوقف ومراجعة مساره الإبداعي.


السيرة الذاتية في مسيرة أحمد مراد

    يكشف تتبع لقاءات أحمد مراد الإعلامية خلال هذه المرحلة الأضعف من مسيرته عن تحول ملحوظ في تركيزه؛ إذ أصبح حريصاً بشكل متزايد على الحديث عن قدراته الشخصية، والجهد الكبير الذي يبذله في أعماله. كما أن مراد أصدر كتابه غير الروائي الأول: القتل للمبتدئين، والذي يشرح فيه قواعد الكتابة الدرامية التي يدرسها في ورشه، وضمنه سيناريو فيلم الفيل الأزرق الجزء الثاني، الذي كان وقت صدور الكتاب عمله الأكثر نجاحاً تجارياً. والمفارقة أن الجزء الأول من الكتاب، وهو الجزء الخاص بالسيرة الذاتية -حيث يروي مراد الكواليس والقصص الكامنة وراء أعماله- كان القسم الأكثر جاذبية وتشويقاً في الكتاب بأكمله، بينما جاء الجزء المتبقي المخصص لتعليم الكتابة مملاً بالمقارنة. ولعل هذا النزوع نحو السيرة الذاتية وحفاوة القراء بها يكشف ما يحتاجه أحمد مراد وقراؤه في هذه المرحلة من مسيرته، فبدلاً من التعبير عن نفسه بطريقة غير مباشرة عبر أعمال درامية تزداد خواءً، ربما بات لديه ما يقوله عن نفسه شخصياً، أكثر مما يمكن أن يقوله عبر الخيال الروائي. 

    يبدو أنه بعد عقد من الكتابة -منذ نشر فيرتيجو عام 2007 وحتى نيله جائزة الدولة عام 2017- فقد أحمد مراد تدريجياً شغفه بالدراما. والآن، ونحن نقترب من عام 2027 وهو العام العشرين في مسيرة أحمد مراد الأدبية، يظل هناك سؤال واحد قائم: هل يجد أحمد مراد طريقة لتجديد شغفه بالكتابة؟!

    ورغم كل شيء، يظل أحمد مراد كاتباً استثنائياً وظاهرة تستحق الدراسة. إن إنجازاته التجارية لا مثيل لها في الأدب العربي الحديث، وهو يمثل أفضل نموذج للروائي الجماهيري الذي يحتاجه الأدب المعاصر بشدة. فمنذ رحيل نجيب محفوظ، لم ينجح روائي مصري في التواصل مع القراء العرب إلى هذا الحد. وقد أشار أحمد مراد نفسه ذات مرة إلى أن الكثير من الكتاب بعد محفوظ انشغلوا بحصد الجوائز الأدبية، ففقدوا صلتهم بالقارئ، بينما ركز محفوظ أولاً على القارئ، فأتت الجوائز تابعة بطبيعة الحال. ويجسد أحمد مراد هذا المبدأ ذاته؛ فقلما تجد كاتباً يفهم جمهوره بغريزته كما يفعل مراد. 

    لولا فقدان الشغف!

تم.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال