المكتفي - قصة قصيرة

المكتفي - قصة قصيرة
* * *

صوتُ تكتكةِ الولاعة أيقظني. عندما فتحتُ عيني كانت جالسةً على السرير بجواري، وكأن الوسادة التي كنت أحتضنها تحولت إلى إنسانةٍ حيّة، لها عينان واسعتان وخصرٌ عريض. زفرتْ دخان إحدى سجائر الحشيش التي لففتها قبل النوم، بينما كنت أطالعها في شيءٍ من الاندهاش، ولم يصدر عنها أيُّ ردّة فعلٍ تجاهي. مرّت لحظات من الصمت، قبل أن تلتفت إليّ، وكأنها لاحظت وجودي بجوارها للتو. وبوجهٍ خالٍ من التعبير، نظرتْ في عينيّ للحظات، قبل أن تبتسم لي في مودة! يا لجمال خديها!

بعد وقتٍ من الاستيقاظ، سحبتْ فيه الكثير من الأنفاس دون أن تناولني السيجارة ولو لمرة واحدة، ومارسنا خلاله صمتًا عجيبًا، قالت:

- قولي كلام حلو.

عرفتُ لحظتها أن مفعول الحشيش بدأ يعثو في عقلها جنونًا، ولكنني لم أكن على نفس المستوى من الجنون، ما اضطرّني إلى أن أفكر للحظات. ومن عجب، لم أجد صعوبة في إيجاد ما يمكن أن يُقال، على عكس طبيعتي في مثل هذه المواقف.

- عارفة إيه أفضل علاج للاكتئاب؟

هزّت رأسها بالنفي، فأردفت:

- بوسة حبيبتي والسنجلاب.

قالت بعد أن ابتسمت:

- أنت بتحب البوس أوي!

بعد لحظة صمت، قلت:

- ويمكن عشان كده لقيت كيفي في الحشيش.

سحبت نفسًا آخر ولم ترد، فأردفتُ:

- واستغنيت بيه عن كل حاجة.

قالت:

- أنا حقيقي معجبة بالاكتفاء الذاتي اللي أنت عايش فيه ده.

قرّبت رأسي من رأسها، فشممت رائحة السيجارة لأول مرة، وقلت:

- وأنا معجب بيكي.

وهممت أن أقبّل شفتيها، لكنها أعطتني السيجارة ونهضت مغادرة الغرفة وهي تقول:

- شوف شغلك.. فيه طلبات كتير النهارده.

وعندما فتحت جهاز اللابتوب الخاص بي، وجدت بالفعل العديد من الطلبات على موقع العمل الحر الذي أعمل عليه كمونتير!

* * *

لساعةٍ كاملة حاولت أن أركّز على العمل، ولكن دون جدوى. أغمض عينيّ من أجل استعادة انتباهي، ولكنني لا أرى سوى شفتيها. كان حضورها يؤثر على التركيز كأثر مئة سيجارة حشيش. خرجتُ إلى الصالة، فوجدتها مستلقيةً فوق الأريكة، تشاهد أحد الأفلام الأجنبية التي وضعتها على شاشة التلفاز عن طريق "فلاش ميموري".

قلت:

- اللاب فصل.

رفعت حاجبها الأيسر وهي تنظر إليّ، في إشارةٍ إلى أنها تعلم أنني كاذب، لكنني جلست إلى جوارها دون مبالاة. مرّت لحظات قبل أن تضع رأسها فوق فخذي. أمسكتُ يديّ إحداهما بالأخرى في ارتباك ازداد عندما قبّل البطل البطلة. يا لروعة القبلات الأجنبية! هادئة، وذات صوتٍ مثير، لا يكاد البطل فيها يبتلع رأس محبوبته، كما يحدث في الأفلام العربية. ضممت شفتيّ خجلًا، قبل أن أحاول استراق النظر إليها، لكنها اعتدلت فجأة ونظرت إليّ في تعجب وسخط! قبل أن تباغتني بابتسامةٍ عذبة، فتنهدت في راحة. رمقت رقبتي وصدري، ثم قرّبت وجهها من وجهي ببطء، ونظرت في عينيّ بقوة، لكنها لم تقترب، بل نهضت مغادرة! وجلست مكاني للحظات متعجبًا.

* * *

بحثت عنها في كل مكان: في غرفتي، في المطبخ، في الحمام.. لا وجود لها. وقفت للحظات محتارًا في غرفتي، فإذا بها تدلف من الباب! كانت متجهة نحوي دون أن تنظر في عينيّ. جذبتني من يديّ ودفعتني، فسقطت على السرير، ثم أمسكت بذراعي ولفّته حول كتفيها، قبل أن تضع رأسها فوق صدري.

طلبت سيجارة أخرى:

- شيل الفلتر.. لف ورقة وحطها أحسن.

قلت وأنا أنفذ ما قالت:

- اشمعنا؟

- بحب أبوس السيجارة من غير وسيط.

- يا بخت السيجارة!

قلتها ولم تهتم. أشعلتُ لها السيجارة، فسحبت نفسًا تلو الآخر، قبل أن تسألني:

- حاسس بإيه ناحيتي؟

قررت أن أتصرف وكأن عقلي مغيّب، قبل أن يغيب بالفعل:

- بحبك.

ضحكت بشدة، ورغم الضيق الذي شعرت به، إلا أنني تكلّفت الابتسام، وقلت:

- والله بحبك!

- طب إيه أكتر حاجة خايف منها؟

أشحت ببصري للحظة، قبل أن أعود إلى عينيها المتحديتين:

- إنك تعملي معايا زي اللي عملته آية.

ولم تسألني عمّا فعلت آية! سحبتْ نفسًا أخيرًا، ثم وضعت السيجارة في فمي، وأدارت لي ظهرها، وغطّت في النوم. عندما تأكدت من ذلك، اقتربت منها. ترددت للحظات، قبل أن أقبّل رأسها. يا لجمال شعرها الأسود الغزير! ثم أطفأت السيجارة ونمت.

* * *

عندما استيقظت، لم تكن موجودة! غير أنني وجدت نفسي مغطّى بغطاء لا أتذكر أنني تغطيت به قبل النوم. ربما غطّتني به هي بعد أن نمت، ربما أرادت أن تحنو عليّ لتخفف وقع رحيلها! هل هذا يعني أنها تحبني؟ لا أعرف. أزحت الغطاء، واعتدلت، ثم جلست على طرف السرير للحظات، قبل أن أنظر إلى مطفأة السجائر. وجدت السيجارة ذات الورقة الملفوفة في عقبها، فتنهدت في ارتياح، ثم بدأت في البحث عنها في كل مكان داخل الشقة.. لا وجود لها! بقيت في غرفتي للحظات، لعلها تأتي كما فعلت من قبل، لكنها لم تأتِ. خرجت إلى الصالة، لعلي أجدها مستلقية تشاهد فيلمًا، لكن لم أجدها. رفعت الصوت، لعلها تحضر لما تسمعه، ولكن لم يحدث.

عدت إلى غرفتي، وأشعلت السيجارة الملفوفة الأخيرة. كان عليّ أن أفعل ذلك منذ البداية، فربما ما من شيءٍ قادر على استدعائها أكثر من الحشيش. أشعلت الولاعة مرة، ومرتين، وثلاثًا، آملًا أن تسمع صوتها فتظهر، ولكنها لم تظهر. حينها أدركت أنها اختفت تمامًا. ومن عجبٍ أنني وجدت في أكثر مخاوفي وأكبر آلامي لذة! لا أعرف لماذا أشعر بالرضا حين أتعذب! مسحت دموعي غير الغزيرة التي انثالت فوق خديّ ببطء، قبل أن أطفئ السيجارة وأحتضن الوسادة، ولكن صدري انقبض أيّما انقباض!

- مش أنت مرتاح للوحدة ومبسوط بيها؟

هكذا تخيلت سؤال المحبوبة المتخيلة، فقلت، والدموع في عينيّ تزداد غزارة:

- أيوة.. أنا بطل العالم في الاكتفاء الذاتي.

النهاية.

جميع نصوص المدونة مسجلة لدى إدارة حقوق المؤلف، ويحظر نشرها أو استخدامها دون إذن مؤلفها.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال