أميرة - قصة قصيرة

أميرة - قصة قصيرة
* * *

بعد ساعتين من استيقاظي، عادت أمي من عملها. ضبطتني أمي في صالة المنزل متلبسة بكوب نسكافيه الكراميل، المشروب بين يدي، وقد شربته في المنزل هذا اليوم. توقعت أن تطلب مني غسله على الفور كعادتها، لكنها لم تكن تحمل الوجه المتجهم الذي بات جزءًا من شخصيتها منذ عملت كمدرسة رياضيات في مدرسة إعدادية بنين. كان وجهها منبسطًا على غير العادة. قالت لي:

- فيه عريس متقدملك

يستحيل أن يكون عمرو؛ فمثله لن يُقدِم على التحدث مع أمي في مثل هذه الأمور دون سؤالي أولًا

- مين ده؟

وضعت حقيبتها على السفرة، وقالت وهي تنزع خمارها

- اسمه حسين.. بيقول إنه زميلك

انقبض صدري لما سمعت اسمه. هذا الحيوان يتدرب معي لدى دكتور عمرو. كلانا أخصائيان نفسيان. يا ليت يداي قُطِعتا قبل أن تردا على رسائله. لقد شعرت من خلال أسلوبه مؤخرًا أنه يتعامل وكأننا مرتبطان، لكني لم أظنه أحمق إلى الحد الذي يدفعه إلى التحدث إلى أمي.

- بيقول تقعدي من الشغل

حمدًا لله، أعطاني سببًا معقولًا لرفضه؛ فأمي لن تقتنع إن أخبرتها أنني غير معجبة بشخصيته. عملنا يحتم علينا أن نكون خير مثال على مبدأ تقبّل الآخر كما هو، لكن هذا الآخر اعتبر التقبل إعجابًا! هل ظن حقًا أنني معجبة به؟ هل ظن أنني أصدق ما يحكيه لي من حكايات أسطورية عن نفسه؟ آخرها حين أخبرني أنه تواصل مع صانع محتوى اسمه مروان سري، وعرض عليه الأخير أن يكون ضيفه في حلقة، لما وجده موهوبًا في تحليل مباريات كرة القدم.

- لأ يا ماما

لم ترد، فأردفتُ:

- مش مناسب

لم تجب. في لغة ماما، السكوت يعني عدم رضاها عما يُقال.

* * *

بعد أيام، أرسل إليّ فيها حسين الكثير من رسائل "النحنحة" والتسجيلات الصوتية التي من المستحيل أن أسمعها؛ فأميرة لا تسمع تسجيلًا صوتيًا يتخطى زمنه الدقيقة والنصف، إلا إذا كان من عمرو 😊 اهتز هاتفي عدة مرات متتالية برسائل جديدة، سبقها وأعقبها برهة من السكوت. توقعت أنها ستكون رسائل أخيرة من حسين قبل أن يتوقف عن التحدث معي إلى الأبد: "أنا آسف.. بتمنالك التوفيق والسعادة في حياتك". لكني فوجئت بإرساله صورًا لي! صورٌ التُقطت لي دون أن ألاحظ. لا أعرف كيف التقطها بهذه الدقة دون أن أنتبه! بعضها صور عادية، وبعضها يركز فيها على مساحات معينة من جسدي. أظهر في إحدى الصور منحنيةً ألاطف قطة من قطط الشارع، إلا أنه التقط الصورة لا من أجل لطف اللحظة، وإنما من أجل ظهور مفرق صدري! وأخرى من الخلف، بينما أنا منحنية لأضع هاتفي في الشاحن في عيادة الدكتور عمرو.

- وبعدين؟

سألته بعد أن تنهدت بعمق، وجزَزتُ على أسناني.

- إنتي مش عارفة أنا بحبك قد إيه

- واللي بيحب حد يصوره بالطريقة الزبالة دي؟؟

- أنا مش عايز حاجة في الدنيا غير إني أكون معاكي

زفرت بحرارة، قبل أن أكتب له:

- وتفتكر إن الصور دي هتخليني أوافق عليك؟ إنت كده بتزود الأسباب اللي تخليني أرفضك.. ده غير إني مش هسكت على اللي إنت عملته ده أبدًا.. وهتشوف أهلي هيعملوا معاك إيه.

* * *

ازداد قلقي أثناء النوم عن المعتاد. بذلت مجهودًا مضاعفًا من أجل الحفاظ على مواعيد نومي واستيقاظي كما هي، حتى لا أسمح لهذا المنحط بأن يعكر صفو حياتي، ويصيبها بالاضطراب بسبب فعلته.كنت أول المستيقظات من بين إخوتي كما جرت العادة. مر حوالي ساعتين أو ثلاث قبل أن يعود بابا من العمل. حدثتني ماما قبل عودته عن "عريس الغبرة" مرة أخرى، فطلبت منها أن تؤجل الحديث إلى حين حضور أبي. بالطبع لن أخبره أو أخبر غيره من أسرتي بأمر الصور، لكني طلبت منها انتظار حضوره لأن الحسم يأتي من عنده، ظاهريًا، أعرف أن أمي، في الحقيقة، هي صاحبة القرار.

- وإمتى هييجي المناسب ده؟

سألني بابا

- لما عمرو يتلحلح

قلتها في داخلي بالطبع 😊

- أنا مش شايفة سبب يخليكي مغرورة كده

كعادة ماما، ترمي إلى أنني لست جميلة، في نظرها، وفي الحقيقة لم أكن الأجمل مثل علياء، الأخت الكبرى، ولا الأكثر خفة مثل سلمى، الأخت الصغرى، لكني أظن أنني الأكثر شياكة، والأكثر ذكاءً 😊 أحببت القراءة منذ الصغر. كنت أحب حصة المكتبة في المدرسة، وبسببها عرفت عمرو؛ إذ كنت أراه هناك كثيرًا. لا يستعير الكتب، وإنما يأتي بين الحين والآخر مع شقيقته الصغرى من أجل أن يقرأ لها الألغاز. إنه أكثر من رأيت في حياتي قدرةً على التحليل. إنه الطبيب والمعالج المثالي. لست أتدرب تحت إشرافه كمعالجة فقط، وإنما أستعين به من أجل صحتي النفسية، التي لا بد أن أحققها لنفسي أولًا، قبل أن يتعين عليّ مساعدة العملاء في تحقيقها.

في هذا السياق، قال لي عمرو ذات مرة:

- مفيش تعافي من غير سكينة

- عرفني الطريق

- الكاتبة ريم بسيوني بتقول: لا سكينة دون سلام مع الماضي

لم يكن الماضي مأساويًا، ولا أذكر منه سوى حادثة صغيرة: حين كتبت خطابًا غراميًا لعمرو، وعثرت عليه ماما قبل أن أضعه في حقيبتي. لم تتكلم معي، لكن خرج أبي من غرفتهما وفي يده حزامه، وهي من خلفه. تقدم نحوي في تحفز، وعيناه متسعتان في غيظ. وقفت أمي عند باب الغرفة تشاهد ما يحدث في تشفٍّ.

ها هي تردف، متوجهة بالحديث إلى أبي:

- لازم تشد عليها.. إنتي واضح كده لازملك علقة من بتوع زمان!

* * *

كان لدي شعور بأن بابا لم يضربني بسبب الخطاب فقط؛ كان هناك سبب ثانٍ، سبب لم أفهمه قط، لكني كنت ألاحظ دومًا توتره في التعامل معي، خاصة مع بلوغي مرحلة الصبا. مزقت أمي الخطاب، ولو لم تفعل، ما كنت لأرسله إلى عمرو، بعد ما نزل عليّ من عقاب قاسٍ. فضحني، وعلم جميع أفراد الأسرة بأمر خطابي. ومن العجب أن مشاعري تجاه عمرو خفتت بعد الحادثة، وكأن أبي شنق بحزامه عاطفتي، وجلَد بضرباته قدرتي على الحب. لكن الحب وجدني آخر المطاف، فتصادف أن قابلت عمرو بعد التخرج، وعرض عليّ التدرب في عيادته.

في الجلسة التالية مع عمرو، لم أنسِ كالعادة تزيين رسغي الأيمن بحظاظاتي، وحذائي المميز الملون ذا نصف الرقبة.

- دي المرة الوحيدة اللي بابا ضربني فيها بالقسوة دي

قلت لعمرو باكية. سألني عن السبب، فقلت بعد أن عضضت شفتي السفلية:

- كتبت جواب لواحد كنت بحبه

قال بعد أن ابتسم:

- أوصفيهولي

كعادته، يفاجئني بأسئلة غير متوقعة، لكني أثق في قدرته على سبر أغوار عملائه وتحليل مشكلاتهم بدقة.

- مش عارفة.. حسيته حنين

- إيه اللي حصل بعد كده؟

- مشوفتوش تاني

- كنتي محتاجة منه إيه؟

- نفس اللي كنت محتاجاه من أهلي.. كنت أتمنى إني أقدر أحكيلهم عن موضوع الصور ويحلولي المشكلة

- إنتي مش مقتنعة بحسين خالص؟

أحزنني سؤاله؛ فقد يعني أنه لا يشعر تجاهي بمثل ما أشعر تجاهه، لكنه أردف:

- أنا مش بحاول أقنعك بيه.. أنا بس بفهم منك

- مش عاجبني خالص.. شخص غير مسؤول.. وحركة الصور قفلتني منه نهائي

- مشغولة بحد تاني؟

تفكرت للحظات، ثم قلت:

- ممكن مجاوبش على السؤال ده؟

ابتسم، وسكت للحظات قبل أن يقول:

- بخصوص موضوع الصور.. أنا عايزك تتطمني.. أنا همشيه من العيادة.. وهتأكد إنه مسح الصور.. اعتبري المشكلة اتحلت.

- بجد شكرًا والله

-  بس ليا عندك طلب

سكتُ فقال بهدوء:

- أنا عايز أتقدملك

النهاية

جميع نصوص المدونة مسجلة لدى إدارة حقوق المؤلف، ويحظر نشرها أو استخدامها دون إذن مؤلفها.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال