ميدو يحكي - سيرة ذاتية - الفصل الثامن عشر

ميدو يحكي - سيرة ذاتية
* * *

كان من المخطط أن يكون عملي هو تنظيم ورشة كتابة، ولكن الناس لم تستجب ولم تهتم؛ لأنني لست كاتبًا معروفًا، وليس لديّ أعمال سابقة ناجحة تدفع الناس لأن يثقوا بي. حاولت معالجة الموقف بأن جعلت الورشة، وغيرها من الفعاليات الثقافية التي أقيمها، مجانًا، فاستجاب بعض الناس، ولكنني في كثير من الأحيان كنت أدخل إلى اللقاء فلا أجد حضورًا، وكان ذلك يجرح كبريائي. دخل التدخين حياتي؛ في البداية كنت أدخن سرًّا دون علم أهل المنزل، ولكن بمرور الوقت تجرأت وأعلمتهم بالأمر. توقعت هجومًا حادًا، إلا أنهم استقبلوا الخبر بهدوء، ولكن كانت الأم تضايقني بنظراتها كلما رأتني أدخن، أو وجدت في صندوق القمامة بقايا السجائر، وكان الوالد يضيق بمصروفاتي التي ازدادت بشكل ملحوظ بسبب التدخين. كان عليّ أن أعمل، ولكن جميع تجاربي تمخضت عن فشل. في البداية عرض الوالد أن يفتح لي مكتبة، وبعد أن تحمست وجدت أن إمكانياتنا لا تسمح، ناهيك عن رغبته في أن يبيع المحل كل ما يحتاجه المنزل، في حين كنت أرى أننا لا بد أن نتخصص في نوع معين من السلع.

بحثت عن عمل بعيدًا عن الوالد؛ ذهبت إلى المكتبات ومحلات الملابس أسألهم عن حاجتهم لموظفين، وغالبيتهم ما كانوا يلاحظون أنني متلعثم حتى ينفوا حاجتهم لعمال. عملت في آخر المطاف في ملعب بادل وكافيه، ولكنني قررت بعد اليوم الأول ألا أستمر في هذا العمل؛ كانت ساعات العمل اثنتي عشرة ساعة، مقابل ثلاثة آلاف جنيهٍ في الشهر! وكان دخل المكان يوميًا لا يقل عن خمسة آلاف جنيهٍ! أي ظلم وأي استغلال! لعنة الله على الرأسمالية. كما أن أصحاب العمل كانوا مهتمين بصلاتي وإقلاعي عن التدخين؛ كانت هذه الأمور من متطلبات التوظيف لديهم! ثم عملت في مساحة عمل ومذاكرة؛ كان المرتب متواضعًا كذلك، ولكنه مقارنة بدخل المكان معقولٌ. ولكن الأزمة كانت في نظام العمل؛ كان النظام معقدًا أيما تعقيد، نتعامل كما لو كنا شركة ضخمة، في حين أن العمل لا يحتاج إلى كل هذه الأعباء والتفاصيل. شعرت بذلك منذ أيام التدريب الأولى، عندما وجدتهم يكلفوننا بما لا يتناسب مع ما نحتاجه من أجل العمل. عملت لحوالي شهر قبل أن يتأكد لديّ استحالة القدرة على الاستمرار؛ المكان كان جميلًا، ومعاملة أصحاب العمل للعاملين جيدة جدًا، ولكنني لم أحتمل تضخيم الأمور، وهي في الأصل غاية في البساطة.

انتهى مصطفى من كتابة روايته الأولى، كنت قد ساعدته في كتابتها، وحين وصل إلى المرحلة الأخيرة قرر الاحتفال. تقابلنا لمراجعة الرواية مراجعة أخيرة قبل إرسالها إلى تحكيم إحدى المسابقات، وفي هذا اليوم شربت الحشيش لأول مرة. لسنوات كنت أنأى بنفسي عن مشاركة زملاء المعهد في تعاطي مثل هذه الأشياء، وقد ترددت في البداية في مشاركة مصطفى شرب الحشيش الذي اشتراه من أجل الاحتفال بإنجازه، ولكنني شربت! لم أشعر بشيء مختلف في البداية؛ كان مذاقه سيئًا، يترك في الحلق حشرجة مزعجة. بعد دقائق بدأت ألاحظ الأثر؛ كنت واعيًا وغير واعٍ في الوقت ذاته، أعرف أنني لست في حالة يقظة، ولكنني أعجز عن أن أكون يقظًا. كنت أقول له: "أمسكني يا مصطفى"، وذلك لأنني لاحظت أنني أتصرف دون تفكير، وكنا في الشارع، فخشيت أن أفعل شيئًا غير عقلاني بغير إرادتي. وأخذت أصرخ عليه بهيستيريا أنني أريد أن أزيل أثر الحشيش هذا؛ فالتعاطي أفقدني السيطرة على مخاوفي. وقد كنت خائفًا من أن يلاحظ الناس أنني غير واعٍ، وكنت مرعوبًا من أن أعود إلى البيت بهذه الحال، وجاءتني فكرة غريبة سيطرت عليّ، وهي أنني ربما لن أفيق أبدًا، وسأعيش كامل حياتي الآتية في حالة الوعي واللاوعي هذه. أحضر لي مصطفى طعامًا وقهوة سادة، تناولتهما، ولكنني تقيأت. قال لي إن التقيؤ سيجعلني أفيق، ولكن ذلك لم يحدث. 

أدركت أن هذه الحالة تشبه ما سنكون عليه بعد الموت؛ سيكون إحساسنا بالزمن مختلفًا، سنكون صريحين إلى أقصى حد، سنكون عراة تمامًا، متجردين من كل شيء. بعد أن أفقت، حزنت لأنني أضعت على نفسي الاستمتاع بحالة التعاطي بسبب الخوف الذي سيطر عليّ، فسعيت لأن أتعاطى ثانية. وبعد محاولات كثيرة للحصول على حشيش، من خلال الأصدقاء، نجحت أخيرًا. كان مصطفى يسكن في محافظة أخرى، ما جعلني أضطر إلى اللجوء إلى غيره. شربت ثانية؛ كانت حالة مذهلة، سعادة غير محدودة، ولكنها ما تلبث أن تتمخض عن انقباض ووحشة هائلين، وعدم قدرة على تقبل الواقع الممل. أنفقت كل ما لديّ من الأموال التي حصلت عليها من العمل الأخير، وكان عليّ أن أعمل في وظيفة أخرى. 

ذهبت للعمل في مصنع جبن، وفي يومي الأول كلفوني بتنظيف المكان! لم أتحمل أن أفعل ذلك ولو لساعة واحدة، وكان العمل اثنتي عشرة ساعة. قررت بعد أقل من نصف اليوم ألا أستمر في هذا العمل. حاول بعض الزملاء إقناعي بالعدول عن هذا القرار، والتحلي بالصبر، ومحاولة تحمل صعوبات العمل، كما حاول المسؤولون إقناعي بأن أنتظر ساعتين إضافيتين حتى أحصل على أموال مقابل نصف يوم، ولكنني لم أقدر على تحمل دقيقة واحدة. كان العمل مخيفًا؛ حتى وإن كنت في الأيام التالية سأصبح عامل إنتاج لا عامل نظافة، فلن أتحمل هذا المجهود البدني المطلوب بذله، ولا هذه الضوضاء الفظيعة، ولا هذه الوحشة المخيفة التي يبعثها في نفسي وجود الماكينات من حولي. لعنة الله على الدولة الصناعية الحديثة.

عندما ذهبت لآخذ ملابسي وحذائي من غرفة تبديل الملابس، لم أجدهم! كنت قد اتفقت مع أحد الزملاء أن يضع ملابسي في دولابه ويغلق عليهما قفلًا، ولكنني أخطأت ووضعت الملابس في غير ضلفته، ولم أكلف نفسي عناء الانتظار والتأكد من أنه أغلق القفل على ملابسي وملابسه. سُرق الجاكيت الوحيد الذي أملكه، والحذاء الأبيض الذي أرتديه مع أغلب قطع الملابس الأخرى. بكيت أمام أحد زملائي، وأمام أحد المسؤولين، الذي لاحظت ابتسامة خفيفة على وجهه؛ كان يضحك في داخله على هذا الطفل الضعيف الذي لا يقوى على تحمل أي شيء في هذه الحياة. كان المصنع في النوبارية، وكان عليّ أن أنتظر حتى الثامنة مساءً لأعود إلى العجمي بواسطة سيارة نقل العمال؛ إذ لا توجد سيارات ركاب متجهة إلى العجمي في هذا المكان. رفضت أن أستغل هذه الساعات في العمل، وآثرت الانتظار بالخارج وعدم الحصول على أي أموال. استلقيت على أرضية خضراء في مدخل المصنع، وتكلمت مع مصطفى في الهاتف، وتواصلت معي موظفة بخصوص العمل كخدمة عملاء، وحددنا موعد مقابلة في اليوم التالي، وأستطيع أن أقول أنني كنت أعرف أنني لن أحضر.

جاءت الثامنة مساءً، سألت وسألت عمّا إذا كان أحدهم قد عثر على جاكيت و حذاء، ولكن دون جدوى. قررت أن أعود إلى المنزل دون حذاء؛ فقد اشترط الموظف المسؤول أن أترك له بطاقتي الشخصية مقابل السماح لي بالعودة إلى المنزل مرتديًا حذاء العمل، ولم أكن أرغب في العودة إلى هذا المكان ثانية. ولكن، لحسن الحظ، أعارني أحد الزملاء حذاءً. عدت إلى المنزل بغصة عميقة، داخل نفس منهزمة. لا أتذكر ماذا حدث بالضبط، ولكنني في اليوم التالي قررت الانتحار. كنت قد فكرت فيه كثيرًا فيما مضى، ولكنني لم أجرؤ على التنفيذ، غير أن تعاطي الحشيش جعلني أفعل؛ فالموت لم يعد مجهولًا. كنت أرى أنني عشت بما يكفي؛ فالإنسان يموت حين ينتهي اختباره، حين تنتهي رحلته. سأختار أن أموت، لن أنتظر قبضة الإله، سأقفز إلى العالم الآخر بإرادتي، تاركًا ورائي الحياة المملة.

جربت جرح إصبعي أولًا بواسطة موس، ولكنه لم يكن حادًا على الإطلاق، فعرفت أن محاولة قطع شراييني بواسطته ستكون صعبة للغاية، وقد يترتب عليها أن أتعذب لساعات، وكذلك إن استخدمت سكاكين الأم غير الحادة إطلاقًا. قررت أن أتناول جرعة كبيرة من أحد الأدوية التي أتعاطاها من أجل محاربة الاكتئاب والهوس. عندما وجدت نفسي مترددًا، قررت أن أخرج الحبوب أولًا ثم أجلس وأفكر؛ فعلت، ثم وجدت نفسي مترددًا، فقررت أن أكف عن ذلك، قررت أن أتناولها دون تفكير. تجرعتها دفعة واحدة بمساعدة ماء من الخزان الموجود في صالة المنزل. سمعت أحدهم يقول ذات مرة إن الإنسان إن مات وهو في حاجة إلى دخول المرحاض سيعاني في موته؛ لذلك تبولت قبل أن أعود إلى غرفتي. استلقيت على السرير، غطيت جسدي، وانتظرت الموت.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال