نظرة على السينما التسجيلية - مقارنة بين جلد حي ومن وإلى مير

نظرة على السينما التسجيلية، مقارنة بين جلد حي ومن وإلى مير.
نظرة على السينما التسجيلية - مقارنة بين جلد حي ومن وإلى مير


من وإلى مير

    أزعجني بداية من وإلى مير بقصة المخرجة ماجي مرجان وعلاقتها وأسرتها بمركز مير، أرى أنه كان من الأفضل البداية مع شخصيات مير مباشرة، دون تمهيد، فشخصيات مير هم الأبطال، وهم الموضوع، ومن غير المناسب أن تحكي لنا المخرجة عن نفسها، وعن سبب رغبتها في صنع فيلم عن مير، قد يكون السبب والقصة وراء صناعة الفيلم جميلة، ولكن القصة كما قلت وراء الفيلم، إذًا مكانها ليس داخل الفيلم. 

    كما أزعجني الإفراط في استخدام التعليق الصوتي، التعليق الصوتي ابتُكر ليضيف إلى القصة، لا لكي يصفها أو يستبدلها، فبدلًا من أن تقول لي المخرجة إن هذه السيدة أرملة، كان من الأفضل أن تسأل السيدة بمنتهى البساطة، أو تترك السيدة تحكي، ومن خلال حديثها نعرف كل شيء. وفيما يتعلق بالتعليق الصوتي، نرى أن صوت المخرجة وأداءها غير مناسبان للتعليق على الفيلم، أن تكون مخرجاً للفيلم لا يقضي بالضرورة أن تتولى مهمة التعليق عليه، القدرة على التعليق الصوتي تتطلب موهبة ومقومات، إن لم تتوافر لديك، أرجوك استعن بمعلّق موهوب، مثلما استعان داوود عبد استعان بالفنان جميل راتب من أجل التعليق على فيلمه التسجيلي وصية رجل حكيم في شؤون القرية والتعليم، ولم يقرر أن يعلق على الفيلم بنفسه، رغم أنه داوود عبد السيد.

    وكان من غير المناسب أيضًا تركيز المخرجة على شخصيات أخرى دون الأبطال، أبطال الفيلم الحقيقيون هم روماني وكيرلس، لم تدرك المخرجة تلك الحقيقة، ما جعلها تسجل مقابلات وتحكي قصص شخصيات فرعية لا تضيف إلى القصة الرئيسية، مشاهد الأبطال أجمل مشاهد الفيلم، حقيقة أنا لم أهتم سوى بهم، لم أهتم بتاريخ مير، لم أهتم بقصة لوزا، لم أهتم بقصة المخرجة وأسرتها. ومن الملفت أن المخرجة ذكرت في النهاية -لما عادت لتصور في مير بعد أعوام- إن أكثر شخصيات أرادت أن تراهم وتسجل معهم هم أسرة كيرلس وروماني!! وفي الحقيقة ما كان ينبغي على المخرجة أن تسجل مع من سواهم، إلا من أجل الإضافة إلى قصتهم.


جلد حي

    وعلى النقيض جاء فيلم جلد حي لأحمد فوزي صالح، حيث ركز الفيلم على عدد معين من الشخصيات، يدرك المخرج تمامًا أنهم الأبطال، ولم يسجل مع من سواهم إلا من أجل الإضافة إلى قصصهم، مثلما سجل مع والد أحد الصبيان الذي قال إن ضرب الأب لأولاده ضرورة من أجل تقويم سلوكهم، وسجل كذلك مع أب آخر قال إنه يتمنى لو يعمل ابنه عملًا بعيدًا عن مدابغ الجلود، لقسوة طبيعتها جدًا. ولم يسجل المخرج مع كل الأطفال الذين يعملون في المدابغ، وإنما اختار ببراعة من يجدر به أن يتكلم، ليس لأنه أفضل ممن سواه، وإنما ليس لدى الجميع مقومات البطل. كما نلفت إلى التماسك في فيلم جلد حي، والذي تولد من خلال قيام المخرج بسؤال كل الأبطال نفس الأسئلة تقريبًا، وأيضًا من خلال الانتقال السلس بين كل بطل وآخر.

    وبالمقارنة بين فيلم من وإلى مير وفيلم جلد حي، نجد أن فوزي صالح كان واعيًا بأن كتابة الأسماء على الشاشة لا بد وأن تكون موظفة دراميًا، في من وإلى مير كانت أسماء بعض الشخصيات تُكتب، وبعضها الآخر لا، دون سبب واضح، ولم يكن اسم الشخصية يضيف إلى الحكاية أي شيء، بينما جلد حي كان يكتب اسم كل شخصية يسجل معها، مع كتابة أعمار الأبطال تحديداً، وقد كانت رسالة المخرج من وراء الفيلم -كما سمعتها منه- هي أن الأطفال لا يجب أن يعملوا في هذه المهنة، بسبب خطورتها وقسوتها الفائقتين. وفيما يتعلق بالمقارنة بين الفيلمين، نلاحظ أيضاً أن مخرج جلد حي لم ينطق ولا كلمة واحدة داخل الفيلم، حتى لم نسمع أسئلته للشخصيات، ولا تعليقه على أي شيء داخل الفيلم، لقد تحدث المخرج من خلال شخصيات الفيلم، وهذا أعظم انتصار.

تم.
أهلاً بك، كيف يمكننا مساعدتك؟
اكتب رسالتك...