أسماء - البطلة كما يجب أن تكون

تحليل سيناريو أسماء.

    أسماء فيلم روائي طويل، من تأليف عمرو سلامة، يدور حول سيدة مصابة بفيروس نقص المناعة المكتسبة (الإيدز)، يرفض الأطباء إجراء عملية المرارة لها خوفاً منها، فماذا ستفعل في مواجهة إعلامي يريد منها أن تظهر على الشاشة بوجهها من أجل إثارة تعاطف الناس والعثور على طبيب يجري لها العملية؟ وكيف سيكون أثر أسماء (البطلة) على هذا الإعلامي (الخصم) في آخر المطاف؟ 

أسماء - البطلة كما يجب أن تكون

    أفضل القصص هي تلك التي تعرف المتلقي على البطل ومشكلته بسرعة وببساطة، وفي فيلم أسماء في دقائق معدودة يعرفنا عمرو سلامة أن هذه السيدة تحتاج إلى عملية بسيطة، ولكنها ترفض ألا تخبر الأطباء بحقيقة إصابتها بمرض الإيدز، إذ تحول عزة نفسها دون خداعهم، فهي تريد أن تُجرى لها العملية لأنها تستحق العلاج، بغض النظر عن إصابتها بمرض يخشى الأطباء منه، أو يرفضون علاجها بسببه، حيث يحكمون عليها بالفسوق، لأن هذا المرض ينتقل عن طريق الجنس غالباً، ويطالبونها بإثبات كونها شريفة حتى تستحق العلاج، حسب اعتقادهم. هنا تتضح مشكلة أسماء منذ البداية، فهي لا تبحث عن معاملة خاصة، ولا تطلب من الأطباء أن يتغاضوا عن مرضها، وإنما تطالب بحق طبيعي وبسيط، وهو أن تحصل على العلاج الذي تحتاج إليه، وأن يُنظر إليها بوصفها إنسانة ومريضة تحتاج إلى الرعاية، لا بوصفها شخصاً يجب الخوف منه أو الحكم عليه أخلاقياً. ولذلك فإن مشكلة أسماء لا تكمن في المرض وحده، وإنما في الطريقة التي ينظر بها الآخرون إليها بسبب هذا المرض، وفي الأحكام المسبقة التي تجعل الحصول على العلاج نفسه معركة يجب عليها أن تخوضها. 

    إن فيلم أسماء يدور ببساطة حول تيمة الخوف، خوف المجتمع من أسماء، وخوف أسماء على من تحب من نظرة المجتمع، إذا ما عرف الناس بما تحمله من مرض. هؤلاء الناس من بينهم صاحب البيت الذي تسكن فيه أسماء، الذي استغفر ربه رافضاً الحديث عن الإيجار، الذي هو من حقه، وسمح لنفسه بأن يتحدث عن حبيبة ابنة أسماء، قائلاً إنها كابنته! هذا المجتمع يبيح لنفسه التدخل في غير شؤونه، ويستحي من أن يخوض فيما يعنيه! وبالتالي لأسماء الحق كل الحق في الخوف من الناس. والخوف هنا لا يأتي من المرض نفسه بقدر ما يأتي من البشر، ومن ردود أفعالهم، ومن احتمال أن تخسر أسماء بيتها أو علاقتها بمن حولها أو احترام الناس لها لمجرد أن يعرفوا حقيقة مرضها. هي تعرف أن المجتمع قد لا يمنحها فرصة لتشرح نفسها، وقد يكتفي بمجرد معرفة أنها مصابة بالإيدز ليصدر حكمه عليها، وهو ما يجعل الخوف جزءاً أساسياً من حياتها ومن اختياراتها. 

    أما عن الخصم، الإعلامي محسن السيسي، فرغم أنه فظ ومحب للصدام والمواضيع الساخنة، لدرجة أنه انزعج للغاية بسبب سكوت الضيف في مواجهة هجومه، رغم ذلك احترم محسن أسماء، وصافحها حال ارتدائها القفاز الواقي ومن دونه. كما رفض قبل التصوير معها أن يضع لاصقاً طبياً ليداري الجرح في وجهه إثر اللكمة التي تلقاها من مسؤول الجمعية، حيث إن وجود أسماء، بإصرارها وقوتها، دفع الخصم إلى أن يكون صادقاً، إلى حد بعيد، حتى أنه وافق على استضافتها دون ظهور وجهها. وهنا تصبح العلاقة بين أسماء ومحسن أهم من مجرد علاقة بين بطلة وخصم، لأن محسن في البداية يمثل جانباً من العالم الذي يحيط بأسماء، عالم الإعلام الذي يبحث عن الموضوع المثير، وعن الصورة التي تجذب المشاهد، وعن القصة التي يمكن أن تحقق أعلى قدر من التعاطف والاهتمام والمشاهدات. لكنه في مواجهة أسماء لا يستطيع أن يظل كما هو، لأنها تجبره على أن يرى الإنسان الموجود خلف الموضوع، وأن يصبح هو نفسه إنساناً بحق، وأن يتعامل معها باعتبارها صاحبة قضية وحياة ومخاوف، لا مجرد مادة إعلامية. 

    إن أفضل الأبطال وأكثرهم قوة، هو البطل الذي يتغير الخصم بفضله. وهذا ما فعله الرسول محمد في فيلم الرسالة، إذ جاءه أبو سفيان في النهاية وشهد ألا إله إلا الله وأنه رسول الله. وهذا أيضاً ما استطاع ديفيس أن يفعله في 12 Angry Men، إذ تغير الخصم، المحلف رقم 3، في النهاية وأقر بأن الولد غير مذنب. وهكذا فعلت أسماء، إذ دفعت محسن نحو التغيير، فقرر أن يتحمل تكلفة سفرها وعلاجها خارج البلاد. وفي سياق متصل، كانت تلك إشارة إلى أن الحل يوجد خارج مصر، من وجهة نظر السيناريست، وقد يكون محقاً، فقد توفيت الشخصية الحقيقية المقتبس من قصتها فيلم أسماء، إذ لم تظهر بوجهها على شاشة التلفاز، ولم تُجرَ لها العملية. ولكن ألم يحترم الناس أسماء بعد إظهار وجهها على الشاشة؟ نعم، وهذا قد يدل على أن السيناريست أراد أن تُحدث أسماء تغييراً في طبيعة المجتمع، وموقفه منها ومن المرض وما شابهه من أمراض وسياقات أخرى، ولكن من غير المعقول أن يتحول الجهل إلى وعي، والرفض إلى تقبل بسرعة وسهولة، مثل هذا التغيير يحتاج إلى سنوات طويلة من التوعية، وتلك كانت وظيفة هذا الفيلم، التوعية ومحاربة الجهل. 

    إن الفيلم لا يقدم أسماء بوصفها شخصية تريد فقط أن تنجو من عملية جراحية، وإنما يجعل من قصتها وسيلة لطرح سؤال أكبر عن نظرة المجتمع إلى المرضى، وعن حق الإنسان في العلاج والاحترام، وأن يكون دليلاً على قدرة الفن على مواجهة الأفكار الخاطئة التي ترسخت لدى الناس عبر سنوات. وربما تكون قوة الفيلم الأساسية في أنه لا يكتفي بأن يقول للمشاهد إن أسماء تستحق التعاطف، وإنما يجعله يرى بنفسه كيف يمكن للخوف والجهل والأحكام المسبقة أن تصنع معاناة إضافية لشخص يعاني بالفعل، ولم يقترف أي فعلة غير أخلاقية، فقد انتقل المرض إلى أسماء عن طريق زوجها، وليس عن طريق رجل آخر، كما يتهمها بعض الناس. ولذلك فإن أثر أسماء لا يتوقف عند تغيير محسن، وإنما يمتد إلى المشاهد نفسه، الذي يصبح جزءاً من التجربة، ويجد نفسه أمام امرأة لا تطلب سوى حقها في الحياة والعلاج، وأمام مجتمع يحتاج هو الآخر إلى عملية تغيير طويلة، ربما لا يستطيع فيلم واحد أن يحققها، لكنه يستطيع أن يبدأها.

تم.

أهلاً بك، كيف يمكننا مساعدتك؟
اكتب رسالتك...