أسامة أنور عكاشة - دخان كتير.. كفتة قليلة
أثار اهتمامي ما سمعت عنه قبل مشاهدة أعماله، ولكني لم أتخيل أن ما سمعت سيكون السبب في مقاطعة أعماله بالكامل. قيل إن أسامة أنور عكاشة كان يستيقظ يومياً، ويجلس إلى مكتبه، ويكتب خمس حلقات، دون تحضير مسبق، ثم يقرر بعد ذلك إذا كان سيكمل كتابة هذا المسلسل أم لا. فإذا وجد طريقاً تسير في ضوءه هذه الأحداث حتى النهاية، استمر في الكتابة، وإذا لم يجد هذا الطريق، توقف. كان من المثير بالنسبة إليَّ أن يكون هناك كاتب قادر على كتابة الدراما بشكل يومي، فكتابة الدراما لها قدسية خاصة، ومن غير المعتاد أن يستطيع الكاتب المواظبة على كتابتها بهذه الطريقة، يوماً بعد يوم، دون أن يسبق ذلك تخطيط واضح لما يريد أن يرويه.
ولكن أسامة أنور عكاشة كان -غالباً- يرتكب خطأً جسيماً. على ما يبدو، كان يحتفظ بالحلقات الخمس التي كتبها على الهواء، بينما كان من المفترض أن يعيد كتابتها بناءً على ما حدده من اتجاه معين للأحداث، وأن يحذف منها غير المهم وغير المناسب للدراما، وأن يعيد ترتيب وصياغة بعض الأحداث والمشاهد بحيث تخدم المسار الذي قرر أن يسلكه. الكتابة الدرامية ليست مجرد القدرة على إنتاج عدد كبير من الصفحات أو الحلقات، وإنما هي، في جانب أساسي منها، القدرة على الاختيار؛ أن يعرف الكاتب أي الأحداث يجب أن تبقى، وأيها يجب أن تُحذف، وأي الشخصيات يجب أن تتقدم، وأيها يجب أن تتراجع، ومتى ينبغي أن ينتقل الصراع من مرحلة إلى أخرى. لذلك، حين أشاهد مسلسلاً من تأليف أسامة أنور عكاشة، أشعر وكأني أجلس مع رجل عجوز يحكي لي أحداثاً غير متصلة، وغير متحركة في سبيل محدد له معنى. يحكي لي عن حدث ما، ثم ينتقل إلى شيء آخر، ثم يتذكر شيئاً ثالثاً، وكأن الحكاية تتقدم لأنها مستمرة في الزمن، لا لأنها تسير نحو هدف درامي محدد.
وغالباً ما يحدث في الحلقة الخامسة حدث ينتقل بالأحداث إلى اتجاه مختلف تماماً. ففي مسلسل «أنا وأنت وبابا في المشمش»، بعد الحلقة الخامسة، قرر الأبطال أن يتوقفوا عن العمل، ويخوضوا مغامرة من أجل كشف فساد بعض رجال الأعمال. وكذلك في مسلسل «الشهد والدموع» يموت الأب في الحلقة الخامسة، ويتحول الصراع إلى صراع بين الأخ وأخيه. المشكلة هنا هي أنني -كمشاهد- تهيأت نفسياً لصراع ومسار معينين، ثم جاء ما حدث في الحلقة الخامسة ليغير مسار الأحداث. قد يكون المسار الجديد مثيراً للاهتمام، وقد تكون الأحداث التي تأتي بعده ممتعة في حد ذاتها، ولكنها، من الناحية الحرفية غير مناسبة لما سبقها من أحداث. ففي «أنا وأنت وبابا في المشمش»، تهيأت كمشاهد لمشاهدة مسلسل اجتماعي قائم على العلاقات بين الشخصيات، وعلى حياتهم ومشكلاتهم اليومية، وإذا بي أفاجأ بهؤلاء الشخصيات يتحولون إلى مغامرين. البطلة تتوقف عن عملها كمدرسة، وتدعي أنها خادمة من ذوي الهمم، والبطل يترك المحاماة ويدعي أنه سائق خاص. ليست المشكلة في أن تتغير طبيعة الأحداث، فالتغيير في مسار الأحداث في حد ذاته ليس عيباً، وإنما المشكلة في أنني لم أشاهد، خلال الحلقات السابقة، تمهيداً كافياً يجعلني مستعداً لهذا التحول، أو يجعلني أشعر أن ما يحدث الآن هو نتيجة طبيعية لما شاهدته من قبل. وفي «الشهد والدموع»، تهيأت كمشاهد نفسياً لمشاهدة صراع بين الابن وأبيه، ولكني فوجئت في الحلقة الخامسة بوفاة الأب، ليتضح أن الصراع الحقيقي سيكون بين الابن وأخيه. مرة أخرى، ليست المشكلة في وفاة شخصية رئيسية، ولا في انتقال الصراع من شخصية إلى أخرى، وإنما في الطريقة التي يحدث بها هذا الانتقال. إذا أمضيت عدة حلقات في بناء توقع معين لدى المشاهد، فلا يصح أن تهدم هذا التوقع فجأة، إلا إذا كان هذا الهدم نفسه قد تم الإعداد له درامياً، بحيث يشعر المشاهد بعد وقوعه بأنه فوجئ، نعم، ولكنه في الوقت نفسه يدرك أن كل ما حدث كان يقوده حتماً إلى هذه النقطة.
جدير بالذكر أنه ما من مشكلة في أن يتطور الصراع وتأخذ الأحداث منعطفاً جديداً. نعم، لا مشكلة في ذلك على الإطلاق، فالدراما بطبيعتها قائمة على التطور والتحول والمفاجآت. ولكن بشرط أن يحدث ذلك التطور سريعاً، أو على الأقل أن يبدأ الكاتب في تمهيده مبكراً، دون أن يستغرق خمس حلقات كاملة قبل وقوع التطور الأساسي الذي يكشف للمشاهد أخيراً طبيعة الحكاية واتجاهها. ففي مسلسل «سفر الأحلام»، على سبيل المثال، من تأليف وحيد حامد، يعرف المشاهد منذ المشهد الأول تقريباً ما هو الموضوع. إنها قصة موظف سكة حديد أصبح بالمعاش، قبل أن يعود إلى بيته لنعرف أنه وحيد تماماً، دون زوجة ولا أبناء. ثم سرعان ما يقرر، في الحلقة الثانية أو الثالثة، أن يحول بيته إلى بنسيون، حتى يجد من يؤنس وحدته. هنا أشعر بأنني أشاهد دراما تعرف إلى أين تذهب. أعرف الشخصية، وأعرف حالتها، وأفهم مشكلتها، ثم أرى القرار الذي تتخذه نتيجة لهذه المشكلة، وبعد ذلك تبدأ الأحداث في التطور بناءً على هذا القرار. هذه هي الطريقة السليمة لكتابة الدراما، ليس من وجهة نظري الشخصية، وإنما بناء على ما درسته وتعلمته على يد أساتذتي من أكاديميين وكتاب. لا يصح أن تكتب خمس حلقات كاملة عبارة عن مجموعة من الأحداث فاقدة للبوصلة، غير محددة الاتجاه، ومن ثم نتعرف على العالم وطبيعة الصراع في الحلقة الخامسة. الكاتب يستطيع أن يمنح نفسه مساحة من الوقت لتعريفنا بالشخصيات والعالم، لكن عليه في الوقت نفسه أن يمنح المشاهد شيئاً ينتظره، أو صراعاً يفهمه، أو سؤالاً درامياً يريد معرفة إجابته. ليس مطلوباً أن يعرف المشاهد كل شيء منذ المشهد الأول، ولكن من الضروري أن يعرف شيئاً ما، وأن يشعر أن الأحداث التي يشاهدها تتحرك في اتجاه معين.
وربما هنا تحديداً تكمن مشكلتي مع طريقة أسامة أنور عكاشة في الكتابة. هو يمتلك قدرة مذهلة على الحكي، ويبدو أن لديه مخزوناً ضخماً من الشخصيات والأفكار والتفاصيل والمواقف، ولذلك لا يعاني من مشكلة في ملء الحلقات بالأحداث. المشكلة، بالنسبة إليَّ، ليست في غياب المادة، وإنما في كيفية تنظيم هذه المادة داخل بناء درامي متماسك. قد يملك الكاتب مئة فكرة جميلة، ولكن ليست كل فكرة جميلة ضرورية في العمل نفسه. وقد تكون هناك شخصية مثيرة للاهتمام، ولكن وجودها لا يعني بالضرورة أنها يجب أن تكون في هذا المسلسل تحديداً. الدراما في النهاية ليست الحياة كما تحدث، وإنما الحياة بعد أن يعيد الكاتب تنظيمها واختيار ما يستحق أن يُروى منها. في الحياة، تحدث أشياء كثيرة بلا معنى واضح، وتتغير الخطط فجأة، ويموت شخص، ويتعرف شخص آخر إلى شخص ثالث، وتتغير المهن والعلاقات والظروف لأسباب قد تبدو عشوائية. لكن كاتب الدراما لا يملك رفاهية نقل هذه العشوائية كما هي، إنه مطالب بأن يمنحها معنى درامياً. لذلك فإن الحرفة لا تقل أهمية عن الموهبة، بل هي الوسيلة التي تجعل الموهبة قادرة على الوصول إلى المشاهد في أفضل صورة ممكنة.
ومرة أخرى، أود أن أؤكد إعجابي بقدرات أسامة أنور عكاشة في الكتابة. فإن أعماله، رغم ما بها من مشكلات حرفية من وجهة نظري، تدل على كونه كاتباً موهوباً، ولديه في الحياة تجربة ثرية، ومخزون حكي مذهل، وقدرة كبيرة على خلق الشخصيات والعلاقات والصراعات. وربما لهذا السبب تحديداً أشعر بأن مشكلته الحقيقية ليست في الموهبة، وإنما في الحرفة، كما أوضحنا سلفاً، وهذا، بالنسبة إليَّ، هو الفارق بين الكاتب الذي يستطيع أن يحكي كثيراً، والكاتب الذي يستطيع أن يبني دراما متماسكة. أسامة أنور عكاشة كان، بلا شك، من أصحاب القدرة الأولى، لكن ما أبحث عنه كمشاهد هو أن تتحول هذه القدرة على الحكي إلى بناء درامي واضح، له بداية واتجاه وتطور ونهاية محتومة. ولولا ذلك، فإن كثرة الأحداث والشخصيات والتفاصيل قد تتحول من مصدر قوة إلى عبء على العمل، مهما كانت موهبة الكاتب ومهما كان غنى عالمه.
تم.

الانضمام إلى المحادثة