12 Angry Men - بطولة خصم
فيلم 12 Angry Men هو فيلم روائي طويل، من تأليف ريجنالد روز، يدور حول ديفيس أحد أعضاء هيئة محلفين مكونة من اثني عشر رجلاً، مكلفين بالبت في أمر إدانة أو براءة مراهق متهم بقتل والده، بسبب تعرضه للعنف الجسدي على يده. ديفيس الذي تدور حوله القصة متشكك في إدانة الولد، رغم أن كل الأدلة ضده، ويحاول خلال رحلة الفيلم البحث في حقيقة الأدلة، وإقناع بقية المحلفين ببراءة المتهم.
ومن هنا، فإن الصراع الأساسي في 12 Angry Men لا يدور حول البحث عن القاتل، أو ملاحقة المتهم، وإنما حول البحث في الأدلة نفسها، ومدى صلاحيتها لتأييد حكم الإعدام ضد الولد. فالمحلفون لا يملكون رفاهية معرفة الحقيقة كاملة، وكل ما لديهم هو ما قدمته المحكمة من شهادات وأدلة، وعليهم أن يقرروا ما إذا كانت هذه الأدلة كافية لإدانة المتهم بما لا يدع مجالاً للشك المعقول. ولهذا يبدأ الفيلم من موقف يبدو محسومًا تقريبًا؛ أحد عشر محلفًا يرون أن الولد مذنب، ومحلف واحد فقط، وهو المحلف رقم 8، يرفض التصويت بالإدانة، ليس لأنه متأكد من براءته، وإنما لأنه يرى أن حياة إنسان لا يمكن أن يحسم أمرها بهذه السهولة، وأن من الضروري مناقشة الأدلة قبل تأييد الحكم. وهذه النقطة مهمة في فهم شخصية البطل ديفيس؛ فهو لا يبدأ الرحلة وهو يعرف الحقيقة، وإنما يبدأها وهو مستعد للبحث عنها، إن رحلة البطل هنا قائمة على التفكير وإعادة النظر، وحث الآخرين على فعل الأمرين نفسهما.
معظم أبطال الدراما لديهم ما يسمى بالقصة من الماضي، أو الجرح، وهي عبارة عن حادث معين تعرض له البطل في الماضي، يكون مؤثرًا على سلوكه في الحاضر خلال رحلة القصة، التي دائمًا ما تقوده إلى مواجهة الماضي، والتصالح معه، حتى يستطيع أن يتغير، والتغيير أحد العناصر الأساسية المكونة لشخصية البطل في كل القصص؛ يجب أن يتغير البطل بشكل ما في النهاية عنه في البداية. ولكن ما يحدث في فيلم 12 Angry Men مغاير، إذ نجد أن الخصم -المحلف رقم 3- هو من لديه قصة من الماضي، وهي خلافه مع ابنه، التي ترتب عليها رحيله عن المنزل لمدة ثلاث سنوات. وكذلك يتغير الخصم في النهاية ليقر ببراءة المتهم، الذي كان يريد أن ينتقم منه، بسبب التماس الذي شعر به بين قصة المتهم وأبيه، وبين قصته وابنه، بينما لا يتغير البطل في النهاية. إن مؤلف 12 Angry Men وكأنه حول الخصم إلى بطل والبطل إلى خصم، حتى إن أحد المحلفين قال للبطل، معلقًا على ذكائه في الرد وطرح الحجج: "أنت شرير ذكي"! ولكن إذا دققنا أكثر، سنجد أن الفيلم لا يقوم فعلًا بتحويل البطل إلى خصم، وإنما يجعل الصراع الدرامي أكثر تعقيدًا من مجرد بطل وخصم تقليديين. فالمحلف رقم 8 لا يحاول إقناع الآخرين بوجهة نظر شخصية، ولا يسعى إلى إثبات أن الولد بريء لأنه يعرف ذلك، وإنما يطلب منهم فقط ألا يتعاملوا مع الأدلة باعتبارها حقائق مسلم بها، وأن يمنحوا أنفسهم الوقت الكافي للتفكير. وفي المقابل، فإن المحلف رقم 3 لا يدافع عن إدانة المتهم اعتمادًا على قوة الأدلة وحدها، وإنما تتداخل مشاعره الشخصية وتجربته مع ابنه في موقفه من القضية. ولذلك يتحول الخلاف بين الاثنين تدريجيًا من خلاف حول الأدلة إلى صراع بين شخصيتين؛ شخصية تحاول الفصل بين القضية ومشاعرها الشخصية، وشخصية لا تستطيع فعل ذلك.
ولكن مؤلف 12 Angry Men كان واعيًا بأن شخصية المحلف رقم 3 لا تصلح لأن يكون البطل، لأنه غير مثير للتعاطف، بينما ديفيس، المحلف رقم 8، هو قائد الرحلة، بإنسانيته، ومهارته في دفع بقية المحلفين نحو التفكير، من خلال اهتمامه بسؤال بعضهم على حدة أسئلة مباشرة عن آرائهم، كما أن ديفيس يعرف جيدًا كيف يصيغ عبارات دحض أدلة إدانة الولد، ويتجلى ذلك -على سبيل المثال وليس الحصر- عندما أمسك المحلف رقم 5 بالسكين، وقال إن طريقة طعن المجني عليه لا يمكن أن يستخدمها الولد، فقبل أن يسأله البطل عما إذا كان يعتقد أن الولد من الممكن أن يستخدم هذه الطريقة، سأله أولًا إن كان الولد ماهرًا في استخدام السكين. ومن الملاحظ أيضًا أن استرسل البطل في شرح فرضية صوت القطار، قبل أن يقدم دليله على احتمالية بطلان شهادة الرجل العجوز. وبذلك كان البطل ينظم عملية الدفاع، عن طريق تسليط الضوء على بعض الأمور، وتوضيحها، قبل طرح الأسئلة وتقديم الحجج المعارضة للأدلة المقدمة ضد الولد. وهذا الأسلوب هو ما يجعل المحلف رقم 8 قائدًا حقيقيًا لرحلة فيلم 12 Angry Men؛ فهو لا يملك سلطة رسمية على بقية المحلفين، ولا يستطيع إجبارهم على تغيير آرائهم، وإنما يمتلك فقط القدرة على إدارة النقاش، وطرح الأسئلة المناسبة في الوقت المناسب. وكلما ظهرت معلومة جديدة، لم يكن يتعامل معها باعتبارها إجابة نهائية، وإنما يحولها إلى سؤال جديد، ومن هنا تأتي قوته الدرامية. فهو لا ينتصر لأن لديه معلومات أكثر من الآخرين، وإنما لأنه أكثر استعدادًا للتشكيك فيما يعتقد الجميع أنه مؤكد، من أجل الوصول إلى الحقيقة. وهنا تظهر واحدة من أهم نقاط قوة 12 Angry Men في كتابة الشخصية؛ فالمحلف رقم 8 لا يغير الآخرين بخطبة طويلة أو خطاب مباشر عن العدالة، وإنما يغيرهم من خلال جعلهم يفكرون بأنفسهم. في البداية، يوافق أحد المحلفين على الإدانة لمجرد أنه يريد الانتهاء من المداولات والذهاب إلى مباراة البيسبول، وآخر يتأثر بطريقة حديث المحلفين الآخرين، بينما يتعامل بعضهم مع المتهم باعتباره مجرد شاب من منطقة فقيرة، ويحملون عنه أحكامًا مسبقة. ومع تقدم الأحداث، يبدأ الفيلم في الكشف عن أن القضية ليست فقط في الأدلة، وإنما في الطريقة التي ينظر بها كل محلف إلى المتهم، وإلى العدالة، وإلى الآخرين. ولذلك فإن غرفة المداولات تتحول تدريجيًا إلى مساحة تكشف الشخصيات نفسها، وليس القضية، وربما لذلك لم نر مشاهد الجريمة وروايات الشهود، لأنها ليست قصة الولد والأب والشهود، بل قصة المحلفين.
كما أن 12 Angry Men يقدم فكرة مهمة عن البطل الدرامي؛ فليس من الضروري أن يكون البطل هو الشخصية التي تمر بأكبر تغيير، وإنما يمكن أن يكون هو الشخصية التي تدفع الآخرين إلى التغيير. المحلف رقم 8 لا يحتاج إلى اكتشاف حقيقة جديدة عن نفسه، لكنه يجبر المحلفين على مراجعة مواقفهم، والتفكير في أسباب أحكامهم. ولذلك، فإن ثباته في النهاية لا يعني غياب الرحلة الدرامية، لأن رحلته ليست رحلة تغيير داخلي بقدر ما هي رحلة تأثير في الآخرين. أما المحلف رقم 3، فعلى الرغم من كونه الخصم، فإن لديه رحلة تغيير واضحة، لأنه في النهاية يسلم ويعترف بعدم قدرته على الفصل بين غضبه من ابنه، ورغبته في إدانة المتهم، وعندما يدرك ذلك، تنهار مقاومته، ويقر بالبراءة. وهكذا يقدم 12 Angry Men نموذجًا مختلفًا للعلاقة بين البطل والخصم؛ فالبطل قد يكون ثابتًا في قيمه، بينما يكون الخصم هو الذي يحتاج إلى التغيير، وقد تكون مهمة البطل الحقيقية هي أن يدفع خصمه، وبقية الشخصيات معه، نحو مواجهة الذات، التي تؤدي حتماً إلى التغيير.
تم.

الانضمام إلى المحادثة