Loving Vincent فيلم روائي طويل، رسوم متحركة، يدور حول آرماند رولان، الذي يريد أن يوصل رسالة كتبها فينسنت فان جوخ إلى طبيبه النفسي دكتور جاشية، فيقابل رولان عدداً ممن عرفوا فينسنت يحكون له عن حقيقة انتحاره، فماذا سيكتشف رولان وعلى ماذا سيحصل من دكتور جاشية في المقابل؟ ويا ترى ماذا كتب فينسنت في الرسالة التي يحاول توصيلها؟ وكيف سيكون أثر ما كتب فيها على رولان آخر المطاف؟ الفيلم من تأليف د. ك. ويلكمان، هيو ويلكمان، جيسيك دينيل.
أن يكون الفيلم مرسوماً يدوياً بالكامل لهو شيء مبهر على المستوى البصري، بلا أدنى شك، ولكن الأهم هو أن يكون اختيارك، كصانع أفلام، في صالح خدمة الدراما في المقام الأول، وليس الإبهار، وقد كان اختيار صناع Loving Vincent موفقاً بين الأمرين، حيث يدخلنا الفيلم في عالم يشبه لوحات فينسنت، ويتناول الكثير من لوحاته كديكور للمشاهد. كما قرر كتاب Loving Vincent ألا يكون فينسنت هو البطل، وبالتالي لم يقعوا في الخطأ الذي وقع فيه كتاب آخرون، فللبطل الدرامي سمات لا تتوافر في شخصية فينسنت، أهمها عدم قدرته على قيادة الأحداث، وعدم وجود حدث محرك معين في حياته يدخله في صراع درامي. والحدث المحرك هو حدث يقع بعد بداية القصة بوقت قليل، يغير حياة البطل، وهذا يتوافر في قصة آرماند رولاند، ولا يتواجد في قصة فينسنت. كما أن رولان يختلف عن فينسنت، اختلافاً يجعله بطلاً درامياً؛ فآرماند لا يتهاون في حقه، ويشتبك مع أيٍّ ممن تسول له نفسه إهانته أو إهانة أي شخص، دون تردد، بل إن سيناريو Loving Vincent يبدأ بعراك جسدي بين رولان وبين آخر سخر من الراحل فينسنت، ولاحقاً سيصر آرماند على ملاحقة طفل رماه بالحجارة لسبب غير مفهوم، في حين لمّا تعرض فينسنت لموقف مشابه، من قبل أطفال رموه بالحجارة وهو يرسم، قرر أن يأخذ أدواته ويرحل، وهو ما وصفه رولان بأنه ضعف. ولكي يؤسس سيناريو Loving Vincent لطبيعة سرد القصة المعتمدة على المشاهد الاسترجاعية (Flashback)، قرر كتاب السيناريو أن يحدث استرجاع في ثالث مشاهد الفيلم، رغم أن رحلة رولان في البحث عن حقيقة موت فينسنت لم تبدأ بعد، ولكن كان ينبغي أن يمهد الكتاب منذ البداية إلى أن هذه هي الطريقة التي سيسرد بها السيناريو قصته، ولو تأخر سيناريو Loving Vincent في عرض ذلك، لكان من الممكن أن يصاب المشاهد بالانزعاج.
وانطلق رولان في رحلته، بعد أن أقنعه والده بالضرورة الأخلاقية وراء إيصال هذه الرسالة إلى المرسل إليه، وحفزه على فعل شيء من أجل الراحل فينسنت. لقد كان الهدف في البداية هو إيصال الرسالة إلى ثيو، شقيق فينسنت، وفي الدراما الشخص الذي يسعى إليه البطل يكون هو الخصم، ببساطة، ولذلك سرعان ما أوضح كتاب سيناريو Loving Vincent أن ثيو قد رحل أيضاً، حتى ينبهنا السيناريو إلى أن ثيو ليس هو الخصم، بل دكتور جاشية، وبالفعل كان الحل ونهاية صراع البطل عند جاشية، لما قابله رولان في نهاية الرحلة. كما كان لابنة جاشية دور مهم جداً في الكشف عن الحقيقة. ناهيك عن أن مدبرة منزل جاشية كانت الوحيدة تقريباً التي تكره فينسنت، وقد فسرت خجله وارتباكه على أنهما شر! ومن الملفت أنها كانت، رغم قسوتها، متدينة، وكان ظهورها الأول وهي تقص الزهور من الحديقة، وهذا من شأنه أن يصف شخصيتها. بينما كانت ابنة صاحب النزل الذي أقام فيه فينسنت، أديلين ريفو، متعاطفة معه، تراه لطيفاً ومنظماً. فالحقيقة أنه كلما كنت بسيطاً ومتسامحاً، استطعت أن ترى الجميل لدى الآخرين.
ورغم أن قصة فينسنت في الفيلم غير ملموسة، إذ حُكيت من خلال شذرات مبعثرة من حياته، إلا أن الحبكة غير مفككة، وذلك أحد أوجه عبقرية سيناريو Loving Vincent ، أن تكون الحبكة متماسكة، حتى لا يتشتت المشاهد أو يفقد تركيزه، ولكنها لا تؤدي بالبطل إلى أي شيء، تماماً مثل لوحات فينسنت، ومثل معاناته، وهذا سبب آخر لعدم جعل فينسنت بطلاً لفيلم Loving Vincent الذي يحكي قصته؛ فلو كان فينسنت هو البطل لرأينا خطاً درامياً متماسكاً يحكي عن معاناته في التواصل مع الناس، ولكن لمّا تكون قصة غيره، سنرى قصته عبارة عن شذرات تمنحنا الشعور بمعاناته، ولكن لا تمكننا من لمسها، وسنوضح ذلك أكثر في نهاية المقال. أما فيما يتعلق بالتماسك والتسلسل في رحلة رولان، فهذا ينبع من كون كل حدث يؤدي إلى ما بعده؛ فبحثه عن ثيو أدى به إلى السعي نحو جاشية، والذهاب إلى نزل ريفو والحديث مع ابنة صاحبه قاده إلى صاحب القوارب عند النهر، مما أعاده إلى ابنة جاشية، لما أخبره صاحب القارب بأن فينسنت كان يأتي إلى النهر بصحبتها، قبل أن يعود رولان إلى النزل لينام حيثما نام وتوفي فينسنت، ويقرأ إحدى رسائله. وكنتيجة لبحث رولان عن الحقيقة، قرر أحد الأطفال أن يرميه بالحجارة، مما قاده إلى رجل أخبره أنه سمع صوت إطلاق نار آتٍ من الحظيرة يوم وفاة فينسنت، قبل أن يقابل رولان مدبرة المنزل، تماماً في المكان الذي شاهدت فيه فينسنت يوم وفاته، وهذا لأن الأحداث في الدراما ينبغي أن تحدث لسبب درامي واضح، لا لأن الكاتب يريدها أن تحدث هنا والآن. ولذلك كان وجود رولان في المكان الذي رأت فيه مدبرة منزل جاشية فينسنت يوم وفاته داعياً لمجيئها وحديثها عنه. قبل أن تخبره بأن فينسنت حصل على المسدس الذي أنهى به حياته عن طريق ريفو، مما أعاد البطل إلى النزل، ومواجهة أديلين بما سمع، مما أدى إلى تعكر مزاجها، حسب وصف صاحب القوارب، فترتب على ذلك ذهاب رولان للحديث معه ثانية عن فينسنت. في Loving Vincent كل حدث يحدث كنتيجة لما قبله، ويكون سبباً فيما بعده، هكذا تكون الدراما الجيدة. وقد أضاف صاحب القارب إلى رولان معلومة سخرية رينيه، صديق فينسنت، منه، وحكت له ابنة صاحب النزل عن مزاح رينيه المبالغ فيه، مما ترتب عليه شجار رولان مع صاحب قوارب النهر، الذي قال له إنه لم يتدخل ليدافع عن فينسنت لأن الأخير لم يرفض ما يحدث بشكل واضح، وتلك إحدى المشكلات التي كان يعاني منها فينسنت؛ ففي أحد المشاهد الاسترجاعية تجلس طفلة فوق رجليه ليرسم لها، قبل أن تأتي أمها وتنتزعها منه، والأزمة هنا ليست في قسوة المرأة، وإنما في تأخر فينسنت في إخبارها، وبشكل واضح، أن الطفلة لا تزعجه. وترتب كذلك على شجار رولان مع صاحب القوارب، وشرابهما الخمر سوياً أن ثمل رولان، ما أدى به إلى أن يدافع عن الطفل الذي رماه بالحجارة ضد من كانوا يعنفونه، مرة أخرى يشير سيناريو Loving Vincent إلى الاختلاف بين رولان وبين فينسنت. ومن ناحية أخرى، قاده هذا الشجار إلى أن يُحتجز في المخفر، ويخبره الشرطي عن دكتور ميزري، الذي أعطاه تقريراً شفهياً عن الحادثة، ورغم أنه بدا غير متأكد، إلا أن آخر جملة في المشهد الدرامي هي الأكثر تأثيراً؛ إذ قال دكتور ميزري، في آخر حديثه، إنه على الأرجح قد أُطلق الرصاص على فينسنت بفعل فاعل آخر سواه.
ولما ذهب رولان إلى المكان الذي قيل إن فينسنت أطلق النار على نفسه فيه، وسط حقل قمح، أتت مارجريت جاشية، وفي يدها زهور، مما يشير إلى أنها كانت تزور قبر فينسنت. وقد تعمد كتاب Loving Vincent أن تكون مواجهة البطل لها قبل مواجهة أبيها، لأن أباها هو الخصم، وبالتالي فمن الأفضل درامياً أن تكون مواجهته هي المواجهة الأخيرة في رحلة البطل، ولأن مواجهة مارجريت مهمة جداً للبطل، فقد كانت آخر من يواجه رولان قبل مواجهة الخصم. وقد أخبرت رولان عن التشابه بين فينسنت وأبيها، الذي كان يحلم بأن يصبح فناناً، وكان يعتكف لساعات ينسخ فيها لوحات فينسنت، كتمهيد لظهور الخصم أخيراً، وهو ظهور شديد الأهمية، لذلك لم تكن مارجريت تعرف ما قيل في الجدال الأخير الذي وقع بين فينسنت وأبيها، وأدى إلى مغادرة فينسنت وهو في قمة الغضب والصدمة، حتى يبقى شيء يضيفه الخصم بنفسه، وهو الشيء الأهم على الإطلاق في رحلة البطل، السبب الأقوى الذي دفع فينسنت إلى قتل نفسه، وهو تدهور حالة شقيقه ثيو الصحية، وعدم قدرته على الاستمرار في إعالة فينسنت، الذي لا يعمل سوى رسام، ولم يبع سوى لوحة واحدة من بين ثمانمائة لوحة رسمها خلال ثماني سنوات.
وأخيراً، أعطى دكتور جاشية رولان رسالة كتبها فينسنت في بداية رحلته. لقد كان Loving Vincent ببساطة، قصة رسالتين؛ الرسالة التي أوصلها آرماند إلى دكتور جاشية، والرسالة التي تسلمها منه، ولذلك اسم الفيلم Loving Vincent، وهو توقيعه في نهاية كل رسالة. أما عن الرسالتين، فالأخيرة كتبها فينسنت في بداية رحلته الفنية، ويقول فيها إنه مجرد نكرة بالنسبة إلى الناس، وأنه سيحاول، من خلال أعماله الفنية، أن يثبت لهم حقيقته. وقد قرأ رولان هذه الرسالة بينما كان يستقل عربة مرت خلال أهم وأجمل لوحات فينسنت، وكأنها تجيب عما كتب في رسالته، كما أننا، منذ بداية Loving Vincent نعيش في عالم فينسنت الخاص، ولا مزيد على الإعجاب والإبهار اللذين نشعر بهما تجاه أعماله في هذه اللحظة. أما الرسالة الأولى، فقد كتبها فينسنت قرب نهاية رحلته، وقد اطلع عليها رولان لما أرسلتها له زوجة ثيو في مشهد النهاية. وفيها يعرض فينسنت رؤيته للموت، ويقول إنه قد لا يكون شيئاً سيئاً، ولعل الموت يمكنه من ملامسة النجوم كما يحلم أن يفعل. وقد ذكر فينسنت، في حديثه عن لوحة حصاد التي رأى فيها الموت، أن الموت هنا لم يكن مخيفاً، بل كان يتجلى في وضح النهار، تشتمله أشعة الشمس الذهبية، وقد أطلق فينسنت الرصاص على نفسه نهاراً وسط حقول القمح. لقد عاش فينسنت حياته المضطربة فقط ليترك لنا هذا الإرث الفني المبهر من لوحات ورسائل، ولما أتم مهمته وجب أن يرحل. ومن الطبيعي أن تكون حياته ورحيله مختلفين عن حياتنا وموتنا، لأنه لم يترك لنا شيئاً نألفه ونستطيع إنتاج مثله، ولكنه يظل، مثلنا، فيما يخص الموت في هذه اللحظة قبل الرحيل، وفيما يخص كل شيء بوجه عام غير قادر على ملامسة الحقائق بشكل يقيني، تماماً مثلما تشعرك لوحاته ذات الطبيعة الانطباعية التي لا تنقل الصور على نحو دقيق، إذ ترى فيها الحقائق، ولكن لا يمكنك لمسها.
Now I understand
What you tried to say to me
How you suffered for your sanity
تم.
